"لرئيس بعض اللبنانيين... للذاهبين زحفًا إلى نعال قتلتنا... إلى الزاحفين واللاعقين لأحذية هؤلاء نقول لهم... تريد أن تجرب خضوعك وذلك؟ أهنت العلم اللبناني وأذللت الجيش وتحاول أن تسقط قدسية شهدائنا". و"إلى الرئيس الفاشل والمستسلم والخاضع... أيها الفاشل، أيها الساقط بكل المعايير الوطنية والأخلاقية، وحتى السياسية والقيادية، لن تستطيع أن تنفذ بندًا واحدًا من اتفاق العار، وستسقط أنت ومن معك من الأعداء". هذا ليس كلام ناشط الكتروني أو حساب وهمي، بل لوحة إبداعية في فنون الهجاء قالها النائب رامي أبو حمدان خلال احتفالات تأبينية بين "تعلبايا" و"قصر نبا". وقبل السؤال: أهكذا يخاطب نواب الأمة رئيس البلاد؟ يبرز سؤال آخر: من هو هذا النائب؟
يحتاج المرء إلى جهد كبير للتعرف إلى نائب زحلة عن "كتلة الوفاء للمقاومة". فأبو حمدان ظل صامتًا منذ رشّحه "حزب الله" ضمن لائحته التحالفية مع "التيار الوطني الحر" المعنونة "زحلة الرسالة!"، ومع ذلك جاء الأول في دائرته بعدد الأصوات التفضيلية، واستمر صيامه عن المواقف طوال ولايته البرلمانية الأصلية. اللافت أن "الحزب" نشر هذا الخطاب على منصاته الإعلامية بصيغة ملتبسة: نصًا مقتضبًا خاليًا من عبارات الهجاء، بموازاة فيديو تسويقي يتضمن الكلام كاملا.
غير أن الالتباس يزول عند العودة لكتاب الشيخ نعيم قاسم "حزب الله: المنهج.. التجربة.. المستقبل"، حيث يبين أن الخطاب التأبيني يحتل مكانة محورية في التعبئة، عبر تحويل الشهادة إلى طاقة تعبوية توظف لإدارة الحرب النفسية ضد العدو والخصوم في الداخل. بذا تأخذ الأحجار مكانها. في منطق التعبئة المستمرة يخرج الخلاف مع السلطة من إطار التنافس داخل الدولة ليصنف باعتباره امتدادًا للمواجهة مع العدو. فتساق مفردات الحرب إلى الداخل، ويغدو تشبيه رئيس الجمهورية بالأعداء إحدى آليات الدفاع عن الجماعة في لحظات التهديد الوجودي، كما في بعض خطب السيد نصر الله إبان "7 أيار"، و"17 تشرين".
وإن كان من أخطر المؤشرات ارتباط الظهور على المسرح السياسي لنائب بخطاب هجائي شيطاني "رجيم"، فإن المشهدية برمّتها مصممة كعقيدة سياسية تؤدي وظيفة عزل مجتمع، وخلق مشروعية انفصالية موازية تتسم بعدوانية شديدة، حيث تذوي بضعة أعلام لبنانية وسط غابة من الرايات الحزبية، ومراسم إدماجية بمفهوم الأمة المتسربل بتشييع خامنئي. إذ ذاك تغدو المعادلة واضحة: كلما ازداد التهديد الوجودي على "الحزب"، كلما تدحرج نحو هجاء أشد.
في المقابل، تقرأ بعبدا من كتاب سياسي عنوانه "مشروعية حكيم"، ركيزته سياسة "الباب المفتوح"، انطلاقًا من قناعة رئيس الجمهورية بأن الدولة يجب أن تكون حاضنة لجميع أبنائها، وحتى من أبى. لسان حال نهجه ينطق ببعض ما قاله زياد بن أبيه في خطبته "البتراء": "إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح أوله: لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف".
فرغم إحاطاته الدورية بسياسات الهجاء، يشدد في لقاءاته اليومية على اليد الممدودة. ويطرح سؤالا يدرك جوابه سلفًا: هل لديكم بديل من المسار التفاوضي الذي تسلكه الدولة؟ باب بعبدا مفتوح لمن يملك تصورًا آخر. والكلام موجه لكل اللبنانيين لأنه رئيس كل البلاد لا جزءًا منها. وعلى عكس ما تصوره الدعاية الممانعة، لا يعاني رئيس الجمهورية قلقًا على مشروعية حكمه، ولا ينجرف نحو مسار تفاوضي متهور على إيقاع انفعال لحظوي لحماية عرشه. فهو كما أي قائد متمرس، يدرك ما في ترسانة الدولة من أدوات قابلة للاستخدام وفق ظروف المرحلة.
في بحور اللغة التي يلجها "الحزب" سيوف قادرة على إحداث عنصر التوازن معه إذا دعت الحاجة. ولعل أدقها ما قاله عبد الحميد الكاتب في رسالته إلى ولي العهد الأموي عبد الله بن مروان بن الحكم، واصفًا الخصم المفتقر لمشروع سياسي بأنه "المتسكع في حيرة الجهالة، ومهاوي المهلكة". وقولته بموضع آخر "اعلمْ أن الظفر ظفران... ما نيل بسلامة الجنود، وحُسْن الحيلة ولطف المكيدة... بغير إخطَار الجيوش في وقدة جمرة الحرب"، ويضيف "ولَعَلَّك أنْ تكون المطلوب بالتمحيص، فحاولْ أبلغهما في سلامة جندك ورعيتك وأشهرهما". فكيف إن المطلوب رأس الدولة؟