آخر الأخبار

اتفاق الإطار أسير المماطلة الإسرائيلية؟

شارك
بعد مرور أكثر من أسبوعين على توقيع "اتفاق الاطار" بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية وليس بوساطة أميركية، فإن حماسة المتحمسين قد تضاءلت بعض الشيء، وذلك لاعتبارات كثيرة، وقد يكون أولها أن تل أبيب لا تزال تراهن على عامل الوقت اعتقاداً منها أن هذا العامل يعمل لصالحها، خصوصًا مع عودة الحديث عن توترات متصاعدة بين واشنطن وطهران على خلفية عودة شبح الحرب مجدّداً، التي لا بد من أن تنعكس على واقع المفاوضات اللبنانيةالإسرائيلية المباشرة المقررة مبدئيًا في العاصمة الإيطالية هذه المرّة.

إذن، لم يعد السؤال في لبنان يدور هذه الأيام حول ما إذا كان "اتفاق الإطار" قد شكّل المخرج الوحيد من الحرب، بل حول ما إذا كان هذا الاتفاق لا يزال يمتلك القدرة على الانتقال من الورق إلى الميدان. فكل يوم يمر من دون تنفيذ الخطوات الأولى المتفق عليها، وفي مقدمها الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التجريبية، يطرح علامات استفهام جديدة حول مستقبل الاتفاق، ويمنح معارضيه حججاً إضافية للتشكيك بجدواه.
المفارقة أن لبنان يعتبر نفسه قد أوفى بما هو مطلوب منه على المستوى السياسي، فيما يرى أن إسرائيل تتعامل مع الاتفاق بمنطق مختلف، يقوم على ربط التنفيذ بحساباتها الأمنية والميدانية، لا بالنصوص التي وقعت عليها. وهنا تحديداً تكمن نقطة الخلاف الأساسية. فهل يشكل الاتفاق التزاماً متبادلاً، أم أنه إطار قابل للتأويل تبعاً لموازين القوى على الأرض؟
وتشير أوساط سياسية إلى أن الدولة اللبنانية أبلغت واشنطن أكثر من مرة أن استمرار التأخير الإسرائيلي لا يقتصر ضرره على تعطيل بند أو إجراء ميداني، بل يهدد بإضعاف الثقة بالاتفاق كله. فالخطوة الأولى في أي تفاهم ليست تفصيلاً إجرائياً، بل هي الاختبار الذي يحدد ما إذا كان المسار قابلاً للحياة.
في المقابل، لا تخفي إسرائيل أنها تنظر إلى الملف من زاوية أمنية، وأن أي انسحاب أو تخفيف لوجودها الميداني يجب أن يقترن، من وجهة نظرها، بضمانات تتعلق بمنع عودة التهديدات. وهذه المقاربة تجعل التنفيذ مرتبطاً بتقديرها للوضع الميداني، لا بجدول زمني ثابت، وهو ما يثير اعتراض الجانب اللبناني.
وفي خضم هذا التجاذب، تبدو الولايات المتحدة أمام اختبار بالغ الأهمية. فهي ليست مجرد وسيط بين الطرفين، بل الراعي الذي ساهم في بلورة "اتفاق الإطار" وقدم الضمانات السياسية اللازمة لإنجازه. وبالتالي، فإن قدرتها على دفع التنفيذ ستكون معياراً لمدى فاعلية دورها، ليس في هذا الملف فحسب، بل في أي ترتيبات مستقبلية تخص لبنان والمنطقة.
ولا يمكن إغفال أن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لم يقدّم الاتفاق يوماً على أنه تسوية مثالية، بل وصفه بأنه "ليس مثالياً"، داعياً منتقديه إلى تقديم بديل واقعي يحقق الأهداف نفسها بما يوقف الحرب، واستعادة الأرض، وعودة الأهالي إلى قراهم. غير أن هذه الواقعية السياسية تحتاج اليوم إلى ترجمة عملية، لأن نجاح أي اتفاق لا يقاس بحسن نيات موقعيه، بل بمدى احترامهم لما التزموا به.
في الوقت نفسه، تتسع دائرة القلق داخل لبنان من أن يتحول عامل الوقت إلى عنصر ضغط سياسي. فكلما طال أمد التنفيذ، ازداد الاستقطاب الداخلي بين من يعتبر أن الاتفاق لا يزال يشكل الفرصة الأفضل المتاحة، وبين من يرى أن إسرائيل تستثمر التأخير لفرض وقائع جديدة على الأرض وتحسين موقعها التفاوضي.
ومع ذلك، يبقى من المبكر إعلان وفاة "اتفاق الإطار". فالآليات الدبلوماسية لم تستنفد بعد، وجولات التفاوض لم تتوقف، والوساطة الأميركية لا تزال قائمة. لكن المؤكد أن الاتفاق دخل مرحلة دقيقة، عنوانها فقدان الثقة التدريجي إذا لم تقترن التعهدات بخطوات ملموسة.
فالسؤال الملحّ اليوم لن يكون ما إذا كانت إسرائيل تؤخر التنفيذ، بل ما إذا كان المجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة، يمتلك الإرادة والقدرة على تحويل ما وُقّع إلى واقع. فإذا نجح في ذلك، يستعيد "اتفاق الإطار" زخمه. أما إذا بقي التنفيذ رهينة الحسابات الميدانية والسياسية، فإن الاتفاق لن يسقط بقرار رسمي، بل سيتآكل تدريجياً تحت وطأة الوقت، وفي ظلّ عودة شبح الحرب من جديد.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا