آخر الأخبار

بين واشنطن وطهران... هل يبقى لبنان خارج دائرة النار؟

شارك
في كل مرة تتصاعد فيها التوترات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، يعود لبنان إلى واجهة الأسئلة، لا لأنه طرف مباشر في الصراع، بل لأنه لطالما كان أحد الساحات التي تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية. فالتاريخ الحديث أثبت أن أي مواجهة بين واشنطن وطهران، سواء كانت سياسية أو أمنية أو عسكرية، لا تقتصر تداعياتها على الخليج أو العراق، بل تمتد، بدرجات متفاوتة، إلى لبنان.
لكن المشهد اليوم يختلف عمّا كان عليه قبل سنوات. فلبنان الذي كان يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز أوراق النفوذ الإيراني في المنطقة، دخل مرحلة سياسية وأمنية جديدة، عنوانها تعزيز دور الدولة في إدارة الملفات السيادية، ولا سيما تلك المرتبطة بالحدود الجنوبية والعلاقة مع المجتمع الدولي . وهذا التحول يطرح سؤالاً أساسياً، وهو: هل أصبح لبنان أقل عرضة للارتدادات الإقليمية، أم أن موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية ما زالا يجعلان منه الحلقة الأضعف عند أي انفجار كبير؟
الواقع أن احتمال تأثر لبنان لا يزال قائماً، لكنه لم يعد يأخذ الشكل التقليدي نفسه. فالتوتر الأميركي – الإيراني لم يعد يُترجم تلقائياً على الساحة اللبنانية كما كان يحدث في مراحل سابقة، بعدما باتت واشنطن تتعامل مباشرة مع الدولة اللبنانية في الملفات الأمنية والعسكرية، فيما تؤكد السلطات اللبنانية أن أي تفاوض يتعلق بمستقبل البلاد أو بحدودها يجري عبر المؤسسات الدستورية اللبنانية، وليس عبر أي عاصمة إقليمية.
غير أن هذا الواقع لا يعني أن لبنان أصبح في منأى عن الأخطار. فإذا تحولت المواجهة بين واشنطن وطهران إلى حرب إقليمية مفتوحة، فإن إسرائيل ستعيد النظر في حساباتها العسكرية، وقد تعتبر أن أي تهديد مرتبط بإيران يشمل أيضاً الجبهة اللبنانية، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام تصعيد جديد، حتى لو لم يكن لبنان هو من بدأ المواجهة.
ومن هنا، تبدو الجبهة الجنوبية أكثر النقاط حساسية. فالهدوء النسبي الذي تحقق بفعل التفاهمات الأمنية يبقى هشاً، وأي خطأ في الحسابات، أو أي قرار بتوسيع دائرة الاشتباك، قد يعيد المنطقة إلى مرحلة المواجهات الواسعة، وهو ما لا يرغب به أحد في الداخل اللبناني، ولا حتى معظم الأطراف الدولية المنخرطة في إدارة الأزمة.
ولا يقتصر الخطر على الجانب الأمني. فالاقتصاد اللبناني، الذي لم يتعافَ بعد من أزماته المتراكمة، سيكون أول المتضررين من أي تصعيد كبير في الخليج. فارتفاع أسعار النفط، وزيادة كلفة الشحن والتأمين، وتراجع حركة السياحة والاستثمارات، كلها عوامل ستنعكس مباشرة على السوق اللبنانية، التي تعتمد بصورة شبه كاملة على الاستيراد. وسيشعر المواطن اللبناني سريعاً بارتفاع أسعار المحروقات والسلع الأساسية، في وقت لا تزال القدرة الشرائية في أدنى مستوياتها.
كما أن أي اضطراب طويل الأمد في دول الخليج قد ينعكس على أوضاع اللبنانيين العاملين هناك، سواء من خلال تباطؤ المشاريع الاقتصادية أو تراجع فرص العمل، ما قد يؤثر على حجم التحويلات المالية التي تشكل أحد أهم مصادر العملة الصعبة في لبنان.
سياسياً، يبدو أن المجتمع الدولي لا يريد تحويل لبنان إلى ساحة إضافية للصراع. فهناك حرص واضح على تثبيت التفاهمات الأمنية القائمة، ومواصلة دعم المؤسسات الشرعية، لأن انهيار الاستقرار اللبناني لن يهدد لبنان وحده، بل سيضيف بؤرة توتر جديدة إلى منطقة تعيش أصلاً على وقع أزمات متلاحقة.
ومع ذلك، فإن السياسة في الشرق الأوسط لا تُبنى دائماً على النيات، بل على موازين القوى والمصالح المتبدلة. فإذا خرجت المواجهة الأميركية – الإيرانية عن حدود الرسائل العسكرية المتبادلة، وانتقلت إلى مرحلة الحرب المفتوحة، فإن قدرة لبنان على البقاء خارج دائرة النار ستصبح محدودة، مهما حاولت الدولة اعتماد سياسة النأي بالنفس.
من هنا، يمكن القول إن لبنان لم يعد الورقة الأولى في المواجهة بين واشنطن وطهران، لكنه لا يزال جزءاً من المشهد الإقليمي الذي يتأثر بكل تحول استراتيجي. وقد يكون الفرق اليوم أن المخاطر لم تعد تقتصر على احتمال اندلاع حرب على الحدود الجنوبية، بل تشمل أيضاً الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي ومستقبل التعافي الذي ينتظره اللبنانيون.
ولهذا، فإن السؤال لم يعد ما إذا كان لبنان سيتأثر بالتوتر الأميركي – الإيراني، بل إلى أي مدى سيتمكن من الحد من حجم هذا التأثر، ومنع تحويل أراضيه مرة جديدة إلى صندوق بريد لتبادل الرسائل بين القوى الإقليمية والدولية.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا