يستمر الصراع بين الأفرقاء المحليين حول المخرج الأفضل من المأزق الراهن في أعقاب تداعيات الحرب، حيث تتمسك السلطة الرسمية بالمفاوضات المباشرة مع إسرائيل ، بينما يتمسك الفريق الآخر بالمفاوضات الأميركية-الإيرانية على قاعدة أنها الخيار الذي يحدّ من التنازلات المُقدَّمة في المسار الأول. لكن من الناحية العملية يصطدم المساران بعقبات واسعة تحول دون تقدّم أي منهما.
منذ اللحظة الأولى لتوقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن و طهران ، كانت تُطرح أسئلة كثيرة حول القدرة على تنفيذها، خصوصاً في ظل التفسيرات المتناقضة التي لم تتأخر في الظهور من الجانبَين. وقد تكرّر الأمر عند الإعلان عن الاتفاق الإطاري بين بيروت و تل أبيب ، لا سيما أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سارع إلى تقديم تفسيرات تتجاوز ما ينص عليه الاتفاق، بما يوحي أن الهدف هو الدفع نحو صدام داخلي على الساحة ال لبنان ية لا أكثر.
وتذهب مصادر سياسية متابعة عبر "النشرة" إلى أن تطورات الأيام الماضية أثبتت أن "شيطان التفاصيل" قادر على الانتصار على ما هو مكتوب، سواء في مذكرة التفاهم أو في الاتفاق الإطاري، بسبب استمرار حالة الغموض القائمة على مستوى المنطقة. وقد تجلّى ذلك في تبادل الضربات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران على وقع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن مذكرة التفاهم باتت في حكم المنتهية، بالتزامن مع محاولات إسرائيل التنصّل مما ينص عليه الاتفاق الإطاري.
وعلى الصعيد الداخلي، تشير المصادر إلى أن كل فريق من الأفرقاء المتخاصمين سعى إلى استثمار هذا الواقع؛ إذ كان رئيس الجمهورية جوزيف عون يكرر السؤال عن البديل الذي يقترحه معارضو الاتفاق الإطاري، متجاهلاً ردّهم بأن البديل يكمن في المسار الأميركي-الإيراني، خصوصاً بعد التوترات التي سُجّلت. في المقابل، كان الفريق الآخر يرفع سقف هجومه على ما تضمّنه الاتفاق مستغلاً الخروقات الإسرائيلية المستمرة له.
وحتى الآن، لا يبدو أن ثمة طرفاً إقليمياً، باستثناء إسرائيل، راغباً في العودة إلى أجواء الحرب الشاملة التي كانت سائدة قبل توقيع مذكرة التفاهم، على الرغم من التصعيد الكبير في المواقف. وهذا يعزز فرضية أن ما تحقق يعكس رغبة في الوصول إلى اتفاق نهائي، غير أن الطريق لن يكون سهلاً البتة في ظل الخلافات التي تحيط بكل بند من بنود المذكرة، فيما تجعل الشروط الموضوعة على الجانب اللبناني بموجب الاتفاق الإطاري تنفيذَه الفعلي أمراً عسيراً.
وفي قراءة هذه المصادر، تبقى العقدة الرئيسية بين واشنطن وطهران كامنة في نقطة الانطلاق؛ إذ يعتبر كل فريق أن الآخر خرج مهزوماً مما يستوجب تقديم تنازلات كبرى في تطبيق بنود المذكرة، دون إغفال وجود معارضات قوية لما جرى الاتفاق عليه في الولايات المتحدة وإيران معاً، مما يفتح احتمال أن يستلزم كل بند جولة محدودة من المواجهات العسكرية قبل التوافق على آلية تطبيقه.
وعلى صعيد الاتفاق الإطاري، تلفت المصادر إلى أن الطرفَين المعنيَّين، أي تل أبيب و" حزب الله "، ليس لديهما رغبة في تطبيقه؛ فتل أبيب لا تزال تُصرّ على معادلة المناطق الأمنية رابطةً التخلي عنها بنزع سلاح الحزب في كل لبنان، فيما يُعلن الحزب صراحةً أنه غير معني بما يتضمّنه الاتفاق من بنود، ويستغل التعنّت الإسرائيلي لرفع سقف هجومه على السلطة الرسمية في بيروت، دون إغفال الملاحظات التي أبدتها جهات إقليمية عدة والتي فتحت الباب أمام الحديث عن احتمال إدخال تعديلات على الاتفاق.
وفي المحصلة، تُشدد هذه المصادر على أن الأهمية لا تكمن فيما يُعلَن الاتفاق عليه، سواء ضمن المسار الأميركي-الإيراني أو المسار اللبناني-الإسرائيلي، بل في القدرة على التنفيذ على أرض الواقع في مرحلة بالغة الخطورة من تاريخ المنطقة.
المصدر:
النشرة