لم يكن اللقاء الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع بالرئيس الأميركي
دونالد ترامب في أنقرة حدثاً يقتصر على إعادة رسم ملامح العلاقة بين دمشق وواشنطن، بل حمل في طياته رسائل سياسية تجاوزت الحدود
السورية ، وكان
لبنان من أبرز المعنيين بها.
فقد طُرح خلال اللقاء ملفان يرتبطان مباشرة بالواقع اللبناني: الجولان السوري المحتل، وسلاح "
حزب الله "، في مؤشر إلى أن لبنان بات جزءاً من المقاربة الإقليمية الجديدة التي تعمل
الولايات المتحدة على بلورتها.
ويأتي ذلك في ظل متغيرات غير مسبوقة تشهدها المنطقة، بدءاً من سقوط النظام السوري السابق، مروراً بتراجع النفوذ
الإيراني وتلقي "حزب الله" ضربات قاسية، وصولاً إلى الانفتاح الدولي المتسارع على دمشق ومحاولات إعادة دمجها في النظامين العربي والدولي. وفي خضم هذه التحولات، بدا واضحاً أن لبنان لم يعد بمنأى عن الترتيبات السياسية والأمنية التي يجري العمل عليها.
الجولان... أكثر من مجرد ملف سيادي
لم يكن التطرق إلى الجولان خلال اللقاء تفصيلاً عابراً، بل حمل دلالات سياسية تتجاوز حدود القضية السورية نفسها. فقد أعاد ترامب التذكير بالموقف الذي اتخذته إدارته خلال ولايته الأولى، عندما اعترفت الولايات المتحدة بسيادة
إسرائيل على الجولان السوري المحتل، في خطوة شكّلت آنذاك تحولاً جذرياً في السياسة الأميركية تجاه قضايا السيادة والحدود في
الشرق الأوسط .
وتكتسب إعادة طرح هذا الملف اليوم أهمية خاصة بالنسبة إلى لبنان، إذ تعكس استعداد واشنطن لإعادة مقاربة ملفات كانت تُعد لعقود من الثوابت السياسية والقانونية، متى رأت أن ذلك يخدم رؤيتها الاستراتيجية ومصالحها في المنطقة.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن لبيروت أن تتعامل مع إثارة ملف الجولان على أنه شأن سوري داخلي، بل عليها أن تقرأ الرسالة الكامنة خلفه، ومفادها أن مرحلة إعادة رسم التوازنات الإقليمية قد تشمل ملفات سيادية وحدودية كانت حتى وقت قريب خارج دائرة المراجعة، وهو ما يفرض على لبنان مقاربة أكثر واقعية للمتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
سلاح "حزب الله"... لبنان في صلب المقاربة الجديدة
إلى جانب الجولان، برز الملف اللبناني بصورة أكثر وضوحاً عندما طلب ترامب من الرئيس السوري أحمد الشرع المساعدة في معالجة ملف سلاح "حزب الله"، في إطار رؤية أميركية تهدف إلى تقليص نفوذ الحزب وتعزيز سلطة الدولة
اللبنانية .
ويعكس هذا الطرح تحولاً لافتاً في النظرة الأميركية إلى
سوريا الجديدة، إذ لم تعد دمشق تُعامل بوصفها دولة منشغلة فقط بإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية، بل بات يُنظر إليها كشريك يمكن أن يؤدي دوراً في معالجة ملفات إقليمية حساسة، وفي مقدمتها الملف اللبناني.
كما يكشف هذا الطلب أن واشنطن تعتبر مسألة سلاح "حزب الله" جزءاً أساسياً من أي تسوية إقليمية مقبلة، وأن معالجة هذا الملف لم تعد محصورة بالإطار اللبناني الداخلي، بل أصبحت مرتبطة بتفاهمات أوسع تشمل أطرافاً إقليمية ودولية.
إن الجمع بين ملف الجولان وسلاح "حزب الله" في لقاء الشرع وترامب يحمل دلالة سياسية واضحة، مفادها أن لبنان كان حاضراً على طاولة النقاش.
فإعادة التذكير بقرار الاعتراف الأميركي بسيادة إسرائيل على الجولان تعكس استعداد واشنطن لاتخاذ خطوات نوعية في ملفات شديدة الحساسية عندما تتوافق مع رؤيتها الاستراتيجية، في ما يؤكد الطلب الموجّه إلى دمشق بشأن سلاح "حزب الله" أن مستقبل هذا الملف بات يُناقش ضمن إطار إقليمي أوسع، يتجاوز الحدود اللبنانية.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو الرسالة الموجهة إلى
بيروت واضحة: المنطقة تدخل مرحلة إعادة صياغة للتوازنات والتحالفات، ولبنان سيكون من أكثر الدول تأثراً بمخرجاتها.
لذلك، لم يعد ممكناً الاكتفاء بمتابعة هذه التحولات من موقع المراقب، بل باتت الدولة اللبنانية أمام استحقاق الاستعداد لمرحلة جديدة قد تعيد رسم المشهدين السياسي والأمني، وتفرض مقاربات مختلفة للملفات التي شكّلت لعقود ركائز الحياة السياسية في البلاد.