لم يكد اتفاق واشنطن بين لبنان وإسرائيل يخرج إلى العلن حتى بدا أنّ الامتحان الحقيقي لم يعد في النص نفسه، ولا في ما قيل عن بنوده ومراحله، إنما في الطريقة التي سيُقرأ بها داخل لبنان وخارجه. فالورقة التي قُدّمت بوصفها مدخلًا إلى الانسحاب الإسرائيلي وبسط سلطة الدولة في الجنوب، وجدت نفسها سريعًا أمام تفسيرات متناقضة، بعضها يريد تحويلها إلى فرصة، وبعضها يتعامل معها كفخّ سياسي وأمني.
في إسرائيل ، لم تنتظر حكومة بنيامين نتنياهو طويلًا قبل أن ترسم حدود قراءتها للاتفاق. فالانسحاب لا يبدو التزامًا واضحًا بقدر ما يظهر كخطوة مشروطة بزوال "التهديد"، أي إنّ تل أبيب تريد أن تبقي لنفسها حقّ تحديد توقيت الانسحاب وشروطه. أما في لبنان فلا تبدو الصورة أقل تعقيدًا. فالحكومة تحاول تقديم الاتفاق بوصفه مسارًا لاستعادة السيادة وحصر القرار الأمني بيد الدولة، في حين يرفضه “حزب الله” انطلاقًا من رفضه ربط الانسحاب الإسرائيلي بأي التزامات لبنانية مسبقة، وسط تحذيرات من شبح الفتنة.
وإذا كان
رئيس مجلس النواب نبيه بري تصدّر واجهة التحذير من الفتنة، فإنّ بعض التحليلات
الإسرائيلية لم تُخفِ التعامل مع هذا السيناريو بوصفه احتمالًا قابلًا للاستثمار، إلى حدّ القول إنّ مواجهة محتملة بين الدولة
اللبنانية و"
حزب الله " "قد لا تكون سيئة بالنسبة لإسرائيل"، وفق ما نقلت القناة 13 الإسرائيلية. يفتح هذا الأمر الباب على سؤال أكثر إلحاحًا من مجرّد نجاح الاتفاق أو فشله: هل تراهن
إسرائيل على أن يُسقط اللبنانيون الاتفاق بأيديهم، بدل أن تتحمّل هي كلفة تطبيقه؟
رفضان يكشفان هشاشة الاتفاق
تكمن المفارقة الأولى في أن الاتفاق لا يواجه اعتراضًا من جهة واحدة. ففي لبنان، كان متوقّعًا أن يعترض "حزب الله" عليه، وهو الرافض لمسار المفاوضات من البداية، إذ اعتبره محاولة لانتزاع التزامات لبنانية تحت الضغط، قبل ضمان الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات. لكن في إسرائيل أيضًا، ثمّة معترضون على رأسهم إيتمار بن غفير الذي وصفه بـ"الخطأ الفادح"، مبديًا شكوكًا في قدرة الدولة اللبنانية على الوفاء بتعهداتها المتعلقة بنزع السلاح.
هذا الرفض المتقابل لا يعني طبعًا أنّ الطرفين يقفان في الموقع نفسه أو ينطلقان من الحسابات ذاتها، لكنه يكشف هشاشة الغطاء السياسي المحيط بالاتفاق. فاليمين الإسرائيلي المتطرف يخشى أن يعطي الاتفاق الدولة اللبنانية دورًا لا يثق به، و”حزب الله” يخشى أن يعطي إسرائيل والولايات المتحدة مدخلًا لفرض شروط داخلية عليه. بين القراءتين، تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام مهمة دقيقة: أن تثبت أنّ الاتفاق لا يمنح إسرائيل حق الإملاء، ولا يمنح السلاح الخارج عن سلطة الدولة حق تعطيل المؤسسات.
النتيجة العملية لهذا التناقض ليست تعطيل الاتفاق فحسب، بل خلق مساحة رمادية واسعة يمكن لكل طرف أن يستثمر فيها بحسب مصلحته. فحين يرفض الطرفان المتقابلان الاتفاق معًا، تصبح الحكومة اللبنانية وحدها في موقع من يُطالَب بالتنفيذ، من دون غطاء داخلي كامل ومن دون ضمانات إسرائيلية راسخة، وهو ما يضعها في موقع الحلقة الأضعف في معادلة لم تصممها هي أصلًا.
الفخ الأخطر: من الانسحاب إلى الفتنة
لا يقتصر الخطر الذي يواجه لبنان اليوم على تفسير إسرائيل للاتفاق بما يخدم بقاءها العسكري في الجنوب، فهذا سيناريو متوقّع وسبق أن ظهرت مؤشراته في مواقف مسؤولين إسرائيليين شدّدوا على عدم الانسحاب قبل نزع السلاح. غير أنّ الخطر الأكبر أن يتحوّل تطبيق الاتفاق نفسه إلى معركة شرعية داخلية، تُستنزف فيها الدولة اللبنانية في صراع مع "حزب الله" حول من يملك القرار الأمني والعسكري، فيما تكتفي إسرائيل بمراقبة المشهد من الخارج.
هنا يكتسب تحذير
نبيه بري من الانجرار إلى "الفتنة" بعده الحقيقي. فهو لا يعبّر عن قلق نظري، بل عن إدراك مبكر لاحتمال انتقال المواجهة من حدود لبنان الجنوبية إلى داخله السياسي والطائفي. فحين يُطلب من الجيش أن ينتشر في مناطق حساسة، وحين يُطرح ملف السلاح تحت عنوان تنفيذ الاتفاق، وحين تشعر بيئة واسعة بأنّ المطلوب منها تقديم تنازلات قبل انسحاب إسرائيل الكامل، يصبح التنفيذ نفسه اختبارًا للاستقرار الداخلي.
وإذا صحّت هذه القراءة، فإن إسرائيل تكون قد حققت مكسبًا أخطر بكثير من مجرد تعديل بند في الاتفاق أو تأجيل جزء من الانسحاب: نقل كلفة الاتفاق بالكامل من الاحتلال إلى الداخل اللبناني، ولعلّ هذا هو "الفخّ" الذي تراهن عليه تل أبيب. فبدل أن تكون هي في موقع الطرف المطالَب بالتنازل، تصبح المعركة لبنانية داخلية بامتياز، تتحمّل الدولة وحدها أعباءها السياسية والأمنية، فيما تحتفظ إسرائيل بموقعها العسكري إلى أن "تنضج" الظروف الداخلية اللبنانية.
في النهاية، قد يكون اتفاق واشنطن فرصة إذا حُصّن لبنانيًا وربط التنفيذ بانسحاب إسرائيلي فعلي لا بوعد مفتوح. لكنه قد يتحول إلى مأزق إذا تُرك لكل طرف أن يفسّره على هواه. فإسرائيل لا تحتاج بالضرورة إلى إسقاط الاتفاق علنًا كي تربح. يكفيها أن يتحول إلى سبب لانقسام اللبنانيين، وأن ينتقل النقاش من كيفية إخراجها من الجنوب إلى كيفية منع اللبنانيين من الاصطدام بعضهم ببعض.
وهكذا، لا يبدو أن مصير اتفاق واشنطن سيُحسم فقط بمدى التزام إسرائيل ببنوده، إنما بقدرة الدولة اللبنانية على تفادي الفخ الأكبر: أن تتحوّل من طرف يطبّق اتفاقًا موقّعًا، إلى ساحة صراع داخلي تخدم، من دون قصد، الطرف الذي يفترض أنه المعني بتنفيذ الانسحاب لا بمراقبته من بعيد. فالمعركة الحقيقية على هذا الاتفاق لم تعد بين بيروت وتل أبيب فقط، بل بين الدولة اللبنانية وقدرتها على تحويله إلى ورقة سيادة، لا إلى مرآة جديدة لهشاشة الداخل.