منذ توقيع الاتفاق بين
لبنان وإسرائيل، لم يعد الانقسام السياسي الداخلي يدور فقط حول تفاصيل تقنية أو حسابات مرتبطة بوقف الحرب أو تثبيت الاستقرار، بل بدأ يأخذ منحى أكثر حساسية ووضوحاً يتعلق بالسؤال الأكبر: من مع التطبيع ومن ضده؟ ومن يرى في الاتفاق خطوة واقعية تفرضها موازين القوى، ومن يعتبره انتقالاً تدريجياً إلى مرحلة سياسية جديدة تتجاوز حدود التفاهمات الأمنية أو المرحلية.
هذا التحول في طبيعة
النقاش انعكس سريعاً على المشهد السياسي اللبناني. فخلال الساعات الأخيرة، شهدت عين التينة سلسلة لقاءات وزيارات سياسية متعددة، بعضها معلن وبعضها بعيد عن الإعلام، في إطار محاولة بلورة موقف وطني جامع يرفض الاتفاق ويدعو إلى إسقاط مفاعيله السياسية قبل أن تتحول إلى أمر واقع.
وبرزت داخل هذه اللقاءات مقاربة تقوم على أن الخلاف لم يعد حول إدارة الأزمة ولا حول السلاح، بل حول الاتفاق الموقع.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الاتفاق أنتج نتائج سياسية معاكسة. فمن جهة، تمكن رئيس الجمهورية جوزيف عون من تسجيل مكسب سياسي مهم في مواجهة السردية التي كانت تربط المسار اللبناني تلقائياً بالمسار
الإيراني ، إذ ظهر للمرة الأولى أن هناك قدرة لدى الدولة
اللبنانية على اتخاذ خيارات تخرج لبنان من وحدة الساحات.
إلا أن هذا التطور نفسه حمل وجهاً آخر لم يكن متوقعاً بالكامل. فحزب الله، الذي كان يعاني خلال المرحلة الماضية من مستوى معين من العزلة السياسية، وجد نفسه تدريجياً أمام إعادة تموضع داخل الخريطة الداخلية. إذ بدأت تظهر تقاطعات جديدة مع قوى وشخصيات كانت في مراحل سابقة على خلاف سياسي عميق معه، لكن موقفها من الاتفاق دفعها إلى الاقتراب من موقفه الرافض. وبرزت في هذا السياق مواقف متشددة من الجماعة الإسلامية، والوزير
جبران باسيل ، والحزب التقدمي الاشتراكي، والنائب أسامة سعد، إلى جانب شخصيات أخرى.
ومع الوقت، بدأت بعض المفاعيل السياسية الأولى للاتفاق تتراجع، خصوصاً بعدما عاد الخطاب الإيراني العلني للتأكيد على فكرة ربط الجبهات، ما أعاد فتح النقاش الداخلي حول حدود القرار اللبناني وإمكان فصله فعلياً عن التحولات الإقليمية الكبرى، وأعاد الاصطفافات إلى الواجهة ولكن بأشكال مختلفة عن السابق.