للعام الثالث على التوالي، يؤدي 37,698 طالباً وطالبة في قطاع غزة امتحانات الثانوية العامة إلكترونياً . وبينما يتوجه أقرانهم في الضفة الغربية إلى قاعات الامتحان، يبدأ كثير من طلبة غزة اختبارهم من داخل خيمة أو منزل متضرّر، وهم يخشون انقطاع الإنترنت أكثر مما يخشون الأسئلة نفسها.
انطلقت الامتحانات في العشرين من يونيو، فيما يتقدم لها إجمالاً 91,138 طالباً وطالبة على مستوى الأراضي الفلسطينية، إضافة إلى 1,941 آخرين من أبناء القطاع المقيمين خارج فلسطين، يؤدون الامتحان في 46 دولة حول العالم.
في الضفة الغربية تُعقد الامتحانات تقليدياً بشكل حضوري، أما في غزة فقد فرضت الحرب واقعاً مختلفاً: شاشة هاتف، واتصال إنترنت هش، وساعة واحدة قد تحدد المستقبل الأكاديمي للطالب.
الأرقام وحدها تكشف حجم الكارثة. فوفق تقديرات أممية، تعرّض أكثر من 97% من المنشآت التعليمية في القطاع للدمار أو الضرر ، فيما حُرم نحو 658 ألف طفل في سن الدراسة من متابعة تعليمهم حضوريا لأكثر من عامين متتاليين، بعد حرب أودت أيضاً بحياة آلاف الطلبة والمعلمين والعاملين في قطاع التعليم.
ولم يقتصر أثر الحرب على تدمير المباني المدرسية، بل امتد إلى فقدان البيئة التعليمية نفسها. فالطلاب الذين أمضوا سنواتهم السابقة بين موجات النزوح، والإيواء، والانقطاع المتكرر عن الدراسة، يدخلون امتحان الثانوية العامة وهم يحملون فجوة تعليمية تراكمت على مدى ثلاثة أعوام، ما يسبب لهم عبئا فوق قلقهم على الامتحان النهائي.
ويكشف محمد حمدان، مدير التربية والتعليم في المنطقة الوسطى للقطاع، أن الأزمة غير مسبوقة. فكثير من الحصص الدراسية تُنظّم داخل خيام أو مبانٍ متضررة جزئياً، ويضطر بعض الطلاب إلى الجلوس على الأرض، ويتقاسمون ما هو متوفر من كتب وكراريس مع طلاب آخرين.
ياسمين أبو سيدو، دخلت الثانوية العامة بعد أن أضاعت الحرب عامَيْ الصف العاشر والحادي عشر. تروي الطالبة قصتها قائلة: "المدرسة كانت تعطينا أربع حصص فقط للمواد الأساسية. بقية المواد كنا ندرسها وحدنا في البيت”.
وتضيف أنها بعد النزوح كانت تعيش مع عائلتها داخل صف مدرسي صغير. تصف ياسمين الوضع بالقول: "الضجيج دائم، والأطفال يتحركون حولنا باستمرار. كان من الصعب جداً التركيز".
سمية أبو لباد، طالبة أخرى التحقت متأخرة بالمدرسة بعد منتصف العام الدراسي، تقول: "عشنا في خيمة تضم أكثر من خمسة عشر فرداً. كنت أخرج خارج الخيمة كلما أردت الدراسة". وكانت تستيقظ يومياً عند الساعة السادسة صباحاً، قبل أن تبدأ الحركة، لتجلس في الخارج وتدرس تحت ضوء الفجر.
للعام الثالث، يواجه طلبة غزة معادلة قاسية: الامتحان إلكتروني، بينما يبقى الاتصال بالإنترنت عرضةً للانقطاع في أي لحظة. وتواصل وزارة التربية والتعليم الفلسطينية عقد الامتحانات إلكترونياً، فيما يقول طلبة إن الأعطال التقنية والانقطاعات المتكررة في الإنترنت تؤثر في قدرتهم على استكمال الاختبارات، ويطالبون بأخذ هذه الظروف في الاعتبار.
عطا البطريخي، طالب في الثانوية العامة، يصف ما يعانيه: "كانت الشبكة ضعيفة جداً، مما صعّب علينا تقديم الامتحانات الإلكترونية. كنا نضطر إلى الذهاب إلى مراكز أو مقاهٍ توفر خدمة الإنترنت. كل امتحان كان يكلفنا نحو 15 شيقلاً (أكثر من خمسة دولارات)".
ياسمين عانت بدورها من انقطاعات متكررة، وتقول: "كنت أدخل إلى البرنامج ثم يخرجني فجأة بسبب ضعف الإنترنت. حتى الهاتف الذي قدمت عليه الامتحان استعرته من جارتي. في أحد الامتحانات بقي الإنترنت معطلاً قرابة ساعة كاملة، ولم يتبقَّ لي سوى نصف ساعة لحل الامتحان".
وفي هذا السياق، تقول الطالبة آلاء عبد الرحمن، إنها كانت تحلم منذ سنوات بأن تجلس داخل قاعة امتحان مثل إخوتها الذين سبقوها إلى مستوى الثانوية العامة، لكن الحرب غيّرت كل شيء. وتضيف: “لا أشعر بالأجواء التي كنت أتخيلها، لكنني متمسكة بحلمي في النجاح مهما كانت الظروف”.
في مواجهة هذا الانهيار، تتواصل بعض الجهود لإبقاء المسار التعليمي قائماً. فقد أعلنت مؤسسة “التعليم فوق الجميع” بحلول مايو 2026 استكمال إنشاء 100 مساحة تعليمية آمنة موزعة على عشرة مواقع مدرسية في أنحاء قطاع غزة، إلى جانب توفير مولدات كهرباء وأجهزة لوحية لدعم الامتحانات الإلكترونية.
وتقول المؤسسة إن هذه المبادرة مكّنت أكثر من 60 ألف طالب من التقدم للامتحانات منذ بداية العام، مع استعداد 30 ألفاً آخرين خلال يونيو الجاري. غير أن منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" حذرت في يناير 2026 من أن نحو 700 ألف طفل في غزة لا يزالون بحاجة عاجلة للعودة إلى مقاعد الدراسة، في مؤشر إلى أن الجهود المبذولة تبقى أقل بكثير من حجم الكارثة.
الخسائر البشرية في القطاع التعليمي لا تقل فداحة عن الخسائر المادية. فمنذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023 إثر هجوم حماس على جنوب إسرائيل وحتى سبتمبر 2025، قُتل نحو 13,500 طالب وفق بيانات أممية، فيما حُرم ما يزيد على 785 ألف طالب من حقهم في التعليم.
ووصل معظم هؤلاء الطلبة إلى الثانوية العامة بعد عامين من الانقطاع والتعلم المتقطع بسبب الحرب، ليجدوا أنفسهم أمام امتحان لا يقيس تحصيلهم الدراسي فقط، بل قدرتهم على التكيف مع ظروف استثنائية لم تعرفها أجيال سابقة.
سمية أبو لباد لا تثق بجدوى المعادلة التي تُحتسب فيها نتائج السنوات السابقة، وتقول: "ليس من العدل أن يتساوى طالب تعب ودرس مع آخر لم يدرس أصلاً".
أما عطا البطريخي، فحلمه يبدو بسيطاً لكنه بعيد المنال، ويقول: "أتمنى فرصة للسفر لإكمال دراستي، لأن الظروف الحالية لا تساعدنا على بناء مستقبلنا".
ووفقاً لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف"، تحتاج 91.8% من المنشآت التعليمية في قطاع غزة إلى إعادة بناء كاملة أو إلى عمليات ترميم واسعة، فيما خرجت أكثر من 740 مدرسة عن الخدمة، وتحولت مئات أخرى إلى مراكز لإيواء النازحين. وتشير هذه الأرقام إلى أن استعادة العملية التعليمية لن تتوقف عند انتهاء الامتحانات، بل ستتطلب إعادة بناء منظومة تعليمية كاملة تضررت على نحو غير مسبوق.
بالنسبة لتلاميذ غزة، لم يعد امتحان الثانوية العامة مجرّد محطة دراسية، بل اختباراً للقدرة على مواصلة التشبث بالحياة نفسها. فبين خيمة تفتقر إلى الهدوء، وهاتفٍ يخشى صاحبه نفاد بطاريته، واتصال قد ينقطع في أي لحظة، يحاول آلاف الطلبة الحفاظ على حلمهم بالحصول على شهادة أصبحت، في زمن الحرب، دليلاً على أن التعليم ما زال هدفا مهما كانت الصعاب والظروف.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة