أعاد الإعلانُ عن اتفاق الإطار بين لبنان و إسرائيل برعاية أميركية فتحَ النقاش حول الآلية الدستورية التي يفترض أن يسلكها أي اتفاق من هذا النوع قبل أن يصبح نافذاً. فبعيداً من السجال السياسي بين المؤيدين والمعارضين، يرسم الدستور اللبناني مساراً واضحاً لإقرار المعاهدات والاتفاقات الدولية، يبدأ من رئاسة الجمهورية والحكومة، ولا ينتهي في بعض الحالات إلا بموافقة مجلس النواب . فما الخطوات الدستورية التي يجب أن يمرّ بها هذا الاتفاق؟ وهل يمكن أن يتحوّل إلى واقع قانوني دون استكمال هذه المراحل؟
يُعدّ اتفاق الإطار الموضوع بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية اتفاقاً ذا طابع دولي، مما يعني خضوعه للآلية الدستورية المحددة في المادتَين 52 و65 من الدستور اللبناني قبل أن يصبح نافذاً. وفي هذا الإطار، يؤكد القاضي جان طنوس عبر "النشرة" أن "كل المزيدات على الأرض وفي الكلام لا تنفع، وهنا فقط تظهر الحقيقة، فهذا الاتفاق هو بمثابة معاهدة ويجب أن يمرّ أولاً في مجلس الوزراء ".
ويشير طنوس إلى أن المادة 52 من الدستور صريحة في هذا الشأن، إذ تنص على أن "يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ولا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء". كما تُلزم الحكومةَ بإطلاع مجلس النواب على المعاهدات حين تسمح مصلحة البلاد بذلك، وتشترط موافقة المجلس النيابي على المعاهدات التي تُرتّب أعباءً مالية على الدولة، أو تتعلق بالتجارة، أو لا يجوز فسخها سنةً فسنة.
ولا تقف الآلية الدستورية عند المادة 52؛ إذ تُحدّد المادة 65 أن السلطة الإجرائية مناطة بمجلس الوزراء وهي السلطة التي تخضع لها القوات المسلحة. وتُعدّ هذه المادة من أبرز مواد الدستور اللبناني بعد اتفاق الطائف، لأنها كرّست انتقال السلطة التنفيذية إلى مجلس الوزراء مجتمعاً، ونصّت على أن القرارات الأساسية، ومنها الاتفاقات والمعاهدات الدولية، تُتخذ بالتوافق، وإن تعذّر ذلك فبأكثرية الثلثَين.
ويشرح طنوس أن الاتفاق في مرحلته الأولى يحتاج إلى موافقة مجلس الوزراء بأكثرية الثلثَين، مشيراً إلى أن "الثنائي الشيعي لا يملك وحده الثلث المعطّل لإسقاط الاتفاق داخل الحكومة"، ومضيفاً أنه "إذا لم يحصل الاتفاق على أكثرية الثلثَين فإنه يسقط ولا يقوم له قائم". وإن أقرّه مجلس الوزراء، انتقل إلى المرحلة الثانية في مجلس النواب، حيث يوضح طنوس أن الاتفاق يمكن أن يمرّ بأكثرية الحاضرين، غير أنه يشدد على أن إقراره يستلزم أيضاً تعديل قانون مقاطعة إسرائيل. ويضيف أنه إذا لم تُستكمل هذه الإجراءات الدستورية، أي إذا لم يمرّ الاتفاق بمجلس الوزراء ثم بمجلس النواب، أمكن الطعن به أمام مجلس شورى الدولة، ويحق لأي طرف متضرر القيام بذلك.
وإذا كان الدستور يرسم الطريق القانوني للاتفاق، فإن السياسة ستكون صاحبة الكلمة الفصل في تحديد مصيره. فمصادر سياسية ترى أن رئيس مجلس النواب نبيه بري سيكون أمام امتحان حقيقي داخل مجلس الوزراء، متسائلةً: ماذا سيفعل وزراء حركة "أمل"؟ وهل سيحضرون جميعاً، ومنهم وزير المال ياسين جابر و تمارا الزين ، ويصوّتون ضد الاتفاق؟ وتضيف المصادر أن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط سيكون مجدداً "بيضة القبان"، لا سيما بعد مواقفه الأخيرة التي رأى فيها أن "17 أيار يبدو أجمل أمام اتفاق اليوم". فهل يُترجم هذا الموقف داخل مجلس الوزراء ويُشكّل مع بري جبهة معارضة للاتفاق، أم أن حسابات الحكم وضغوط المرحلة ستُفضي إلى خيارات مغايرة؟
وفي المحصلة، لا يبدو أن الجدل الحقيقي يدور حول مضمون اتفاق الإطار بقدر ما يدور حول إمكانية ترجمته دستورياً وسياسياً. فالمادتان 52 و65 ترسمان بجلاء الآلية القانونية لإقرار أي اتفاق من هذا النوع، فيما سيشكّل مجلس الوزراء أولاً ثم مجلس النواب ساحةَ الاختبار الحقيقية. وعندها فقط سيتبيّن ما إذا كان الاتفاق سيتحوّل إلى معاهدة نافذة وفق الأصول الدستورية، أم سيبقى مجرد إطار سياسي يصطدم بالاعتراضات القانونية والانقسامات الداخلية.
المصدر:
النشرة