مع كل نسخة من
كأس العالم ، يتكرر المشهد نفسه في
لبنان ، وكأنه طقس جماعي لا يخضع للأزمات السياسية ولا للضائقة الاقتصادية ولا حتى للظروف الأمنية. الشوارع تمتلئ بأعلام البرازيل والأرجنتين والمانيا وفرنسا والبرتغال، السيارات تتحوّل إلى منصات احتفال متنقلة، والأحياء تنقسم إلى "معسكرات" كروية تتنافس في التشجيع كما لو أن أحد هذه المنتخبات يمثل لبنان في البطولة.
ورغم أن المنتخب اللبناني لم يسبق له المشاركة في نهائيات كأس العالم، فإن اللبنانيين يتعاملون مع "المونديال" بوصفه مناسبة وطنية بامتياز. فالمقاهي تمتلئ قبل ساعات من انطلاق المباريات، والشاشات العملاقة تعود إلى الساحات، فيما تمتد الاحتفالات حتى ساعات الفجر بعد كل انتصار للمنتخب المفضل، وسط مواكب سيارات وأبواق وألعاب نارية في مشهد يتكرر منذ عقود.
ولا يمكن تفسير هذه الظاهرة بالشغف الرياضي وحده. فالمونديال بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين يشكل مساحة نادرة للهروب من ضغوط الحياة اليومية. ففي بلد يعيش أزمات اقتصادية متلاحقة، وانقسامات سياسية مزمنة، وقلقاً أمنياً مستمراً، تتحول
كرة القدم إلى لغة مشتركة تتجاوز الاصطفافات التقليدية، وتمنح الناس فرصة للاحتفال بعيداً عن نشرات الأخبار والأزمات المعيشية.
كما يعكس المشهد بعداً اجتماعياً لافتاً، إذ تتوارث العائلات تشجيع المنتخبات جيلاً بعد جيل. فهناك من يرتبط بالبرازيل منذ أيام بيليه، وآخرون ورثوا عشق الأرجنتين منذ حقبة دييغو مارادونا، فيما صنعت أسماء مثل ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو أجيالاً جديدة من المشجعين الذين بات انتماؤهم الكروي يتجاوز الحدود والجغرافيا.
ويرى باحثون في علم الاجتماع الرياضي أن اللبنانيين لا يحتفلون فقط بفوز منتخب أجنبي، بل يحتفلون أيضاً بقدرتهم على صناعة لحظة فرح جماعية في بلد قلّت فيه المناسبات الجامعة. فالأعلام التي ترفرف على الشرفات ليست مجرد إعلان ولاء
رياضي ، بل تعبير عن حاجة المجتمع إلى مساحة ينسى فيها الانقسامات والأزمات، ولو لساعات قليلة.
وفي النهاية، يبقى المونديال في لبنان أكثر من بطولة
لكرة القدم . إنه حدث اجتماعي وثقافي واقتصادي يعيد رسم إيقاع الحياة اليومية، ويؤكد أن اللبنانيين، مهما اشتدت الأزمات، لا يزالون يبحثون عن مناسبة تجمعهم حول فرحة مشتركة، حتى وإن كانت بألوان منتخبات لا تمت بصلة إلى علم وطنهم.