لا يقتصر "اتفاق الإطار" الموقّع بين
لبنان وإسرائيل برعاية أميركية على كونه تفاهمًا لتنظيم الانسحاب
الإسرائيلي من الجنوب، بل يؤسس لتحول سياسي وأمني قد يعيد رسم التوازنات التي حكمت المشهد اللبناني منذ عقود. فالنقاش لم يعد محصورا بوقف إطلاق النار أو بخطوط الانتشار، وإنما انتقل إلى ملفات تتصل بدور الدولة، ومستقبل سلاح
حزب الله ، وشكل العلاقة التي ستربط لبنان بكل من
الولايات المتحدة وإسرائيل خلال المرحلة المقبلة.
إلا أن هذا المسار لا يتحرك بمعزل عن التفاهم الأميركي -
الإيراني الذي ولد في إسلام آباد، والذي أصبح بدوره أحد المفاتيح الأساسية لفهم مستقبل الجنوب اللبناني. فبينما تسعى واشنطن إلى تثبيت "اتفاق الإطار" باعتباره مدخلًا لإعادة بسط سلطة الدولة
اللبنانية ، تصر طهران على أن مذكرة التفاهم التي توصلت إليها مع الولايات المتحدة هي المرجعية الأساسية لأي انسحاب إسرائيلي، باعتبارها تتضمن آلية لوقف دائم للأعمال العسكرية ومعالجة الملفات العالقة خلال مهلة الستين يومًا.
وتقوم هذه الآلية على "خلية متابعة" وهي لجنة مشتركة تضم ممثلين عن الولايات المتحدة وإيران وقطر ولبنان، مهمتها الإشراف على تثبيت وقف إطلاق النار، ومراقبة الخروقات، ومتابعة تنفيذ مراحل الانسحاب الإسرائيلي، إلى جانب انتشار الجيش في المناطق التي يتم إخلاؤها تدريجيًا. وتؤكد طهران أن لبنان مشمول صراحةً بمذكرة التفاهم، وأن أي تجاوز لهذا المسار قد ينعكس سلبًا على مجمل التفاهمات الأميركية -
الإيرانية .
وفي هذا السياق، يرى قطب سياسي بارز أن "اتفاق الإطار" بصيغته الحالية يفتقد إلى مقومات التطبيق، وأن واشنطن تدرك صعوبة تنفيذه ما لم يتكامل مع مسار سويسرا، الذي يملك، بحسب تقديره، عناصر التنفيذ الفعلية نتيجة قدرة
إيران على التأثير في الأطراف المعنية، ولا سيما حزب الله. ويعتبر أن أي انسحاب إسرائيلي مستدام لن يتحقق إلا ضمن التفاهمات الأوسع التي ترعاها خلية المتابعة.
ويواكب هذا الجدل تباين واضح داخل الإدارة الأميركية نفسها بشأن مقاربة الملف اللبناني. فقد كشفت تقارير أميركية عن وجود مسارين متوازيين تقودهما واشنطن. الأول يشرف عليه
وزير الخارجية ماركو روبيو، ويرتكز على دعم السلطة في لبنان، وتعزيز دور الجيش، وتثبيت "اتفاق الإطار" مع
إسرائيل باعتباره مدخلًا لانسحاب تدريجي وإعادة بناء الاستقرار على الحدود.
أما المسار الثاني، فيقوده نائب الرئيس جيه دي فانس، ويقوم على مفاوضات مباشرة مع
إيران تتناول مستقبل نفوذها الإقليمي، بما في ذلك لبنان ودور حزب الله، في إطار تسوية أوسع تشمل الملفات النووية والإقليمية. وبينما يراهن روبيو على تقليص نفوذ الحزب عبر مؤسسات الدولة اللبنانية، ينطلق فانس من مقاربة أكثر براغماتية تقوم على التفاوض مع طهران باعتبارها صاحبة التأثير الأكبر في هذا الملف.
ويعكس هذا التباين اختلافًا في الوسائل لا في الأهداف، إذ تتفق المقاربتان على ضرورة الوصول إلى ترتيبات أمنية جديدة في جنوب لبنان، لكنهما تختلفان حول الطريق المؤدية إليها، سواء عبر الضغط المباشر على حزب الله أو من خلال التفاهم مع إيران.
وعليه، يشكل انتشار الجيش في بلدتي فرون وزوطر الغربية أول اختبار عملي لمسار "اتفاق الإطار". فالولايات المتحدة تسعى إلى تحويل هاتين البلدتين إلى نموذج يمكن تعميمه لاحقًا على سائر المناطق التي يفترض أن تنسحب منها إسرائيل، غير أن هذا المسار يصطدم بوقائع ميدانية مختلفة. فمصادر عسكرية تؤكد أن قوات الاحتلال
الإسرائيلية ليست موجودة داخل بلدتي فرون وزوطر الغربية، ما يثير تساؤلات حول جدوى تصنيفهما "منطقتين تجريبيتين". كما أعلن مجلس بلدية فرون أن البلدة لا تقع ضمن "الخط الأصفر" ولا تخضع للاحتلال الإسرائيلي، معتبرًا أن إدراجها ضمن هذه الآلية يفتقر إلى المبررات الميدانية.
لكن إسرائيل لا تزال تتمسك بمواقع تعتبرها استراتيجية، ولا سيما في محيط الشقيف، فيما تواصل استخدام الضغط العسكري لتثبيت وقائع تفاوضية جديدة. ففي القطاع الأوسط، يتمركز جيش الاحتلال عند الأطراف الجنوبية لبلدتي بيت ياحون وحداثا، بينما يتمركز حزب الله داخل القرى، ويواصل الجيش اللبناني انتشاره في تبنين. أما في القطاع الشرقي، فقد وصل جيش الاحتلال إلى مشارف كفرتبنيت من دون أن يتمكن من السيطرة على تلة علي الطاهر، حيث لا تزال خطوط التماس قائمة.
ولا يقل المشهد السياسي محليًا تعقيدًا عن الجبهة الجنوبية. فقد فتح الاتفاق انقسامًا سياسيًا واسعًا بين من يعتبره فرصة لانتزاع انسحاب إسرائيلي عبر الدبلوماسية، وبين من يراه مدخلًا لفرض شروط إسرائيلية تتجاوز مسألة الحدود إلى إعادة صياغة التوازنات الداخلية.
وفي هذا الإطار، أعلن حزب الله رفضه القاطع للاتفاق، وتؤكد مصادره أن الحزب لن يعترف به، وسيعتبره "منعدم الوجود". وترى هذه المصادر أن الاتفاق يمنح إسرائيل مكاسب سياسية وأمنية، ويشرعن بقاءها في أراضٍ لبنانية، فيما يربط انسحابها بنزع سلاح المقاومة، وهو ما يعدّه الحزب تجاوزًا للثوابت الوطنية. وبالنسبة إليه، يفترض بالسلطة اعتماد مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على ضمان الانسحاب الإسرائيلي الكامل ووقف الاعتداءات.
وتبدو المرحلة المقبلة محكومة باختبارين متوازيين: الأول ميداني يتعلق بقدرة الجيش على تثبيت حضوره في الجنوب، والثاني سياسي يرتبط بإمكان احتواء الانقسام الداخلي. لكن العامل الحاسم يبقى في قدرة الولايات المتحدة على التوفيق بين مساريها التفاوضيين، وفي مدى نجاحها في المواءمة بين تفاهماتها مع
بيروت وتفاهماتها مع طهران، لأن مستقبل الجنوب لم يعد مجرد ملف لبناني، بل أصبح جزءًا من معادلة إقليمية أوسع، تتداخل فيها المصالح الأميركية والإيرانية والإسرائيلية في رسم ملامح المرحلة المقبلة.