لم يعد كأس العالم مجرّد بطولة كرة قدم تُتابع على الشاشات وفي المقاهي. في السنوات الأخيرة، تحوّل المونديال وغيره من الاحداث الرياضية السنوية، إلى موسم ضخم للمراهنات الرياضية، حيث تتحرك مليارات الدولارات حول النتائج، الهدافين، البطاقات، الركلات الركنية، وحتى تفاصيل هامشية لا علاقة مباشرة لها بنتيجة المباراة. ومع نسخة 2026، يصبح حجم السوق أكبر. فالبطولة توسعت إلى 48 منتخباً، موزعين على 12 مجموعة، مع 104 مباريات بدل 64 في النسخ السابقة. هذا التوسع لا يعني فقط مباريات أكثر للجمهور، بل يعني أيضاً فرصاً أكبر لشركات المراهنات والمنصات الرقمية لفتح أسواق جديدة قبل المباراة وخلالها وبعدها.
عالميا.. المليارات تتراكم
عالمياً، تشير تقديرات مؤسسات متخصصة إلى أن سوق المراهنات الرياضية بلغ نحو 100.9 مليار دولار، وكرة القدم تبقى اللعبة الأهم داخل هذا السوق، لأنها الأكثر انتشاراً، والأقدر على جذب جمهور عابر للحدود. وفي كأس العالم تحديداً، يرتفع حجم النشاط بسبب كثافة المباريات، الفوارق الزمنية، كثافة المتابعة، وتداخل المشجع العادي مع المستخدم الذي يبحث عن رهان سريع.
ففي مونديال قطر 2022، قدّرت جمعية الألعاب الأميركية أن 20.5 مليون بالغ في
الولايات المتحدة وحدها خططوا للمراهنة بنحو 1.8 مليار دولار على البطولة. 48 في المئة منهم قالوا إنهم سيضعون رهاناتهم عبر الإنترنت، و20 في المئة عبر مراهنين غير رسميين. هذه الأرقام لا تشمل الأسواق الكبرى في أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية، ولا تشمل السوق غير الشرعية التي يصعب قياسها بدقة. وهنا تبدأ المشكلة. فالسوق القانونية ليست سوى جزء من الصورة. بحسب مكتب
الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، تتراوح قيمة الرهانات غير الشرعية عالمياً بين 340 مليار دولار و1.7 تريليون دولار سنوياً، مع تقديرات عن غسل نحو 140 مليار دولار عبر المراهنات الرياضية كل عام. أما الإنتربول، فربط في عملياته الأخيرة بين المراهنات غير القانونية وشبكات غسل أموال واحتيال عابرة للحدود، بينها شبكات تستخدم حسابات وهمية ومحافظ إلكترونية وخوادم موزعة على أكثر من دولة.
كأس العالم، بهذا المعنى، ليس موسماً رياضياً فقط. هو أيضاً موسم مالي وأمني. في الأسواق المنظمة، تعمل الشركات الكبرى ضمن تراخيص محلية، وتخضع لرقابة مالية وقواعد تحقق من الهوية. أما في الأسواق غير المنظمة، فتنتقل المراهنات إلى مواقع خارجية، صفحات مغلقة، تطبيقات مراسلة، وسطاء محليين، وتحويلات مالية صغيرة متكررة يصعب تتبعها إذا لم تُراقَب بشكل دقيق.
في لبنان .. الانترنت كسر المحظورات
في لبنان، تأخذ المسألة بعداً مختلفاً. البلاد ليست سوقاً منظمة واسعة مثل بريطانيا أو الولايات الأميركية. الإطار القانوني المحلي يقوم عملياً على حصر ألعاب القمار ضمن مؤسسات مرخصة، مع دور واضح لوزارة المالية في هذا المجال. لكن الإنترنت كسر الحدود التقليدية. المستخدم في لبنان يستطيع الوصول إلى مواقع مقرها خارج البلاد، بعضها مرخص في دولة أخرى، وبعضها يعمل من دون رقابة فعلية، فيما تُدار الحسابات والتحويلات أحياناً عبر وسطاء محليين.
لا توجد أرقام رسمية منشورة تكشف حجم المراهنات الإلكترونية في لبنان خلال المونديال. لكن حسب مصدر أمني أكّد لـ"لبنان24" أنّ قوى الأمن تواصل تحذير المواطنين من تزويد حساباتهم الشخصية لمنصات مراهنات وقمار إلكتروني غير شرعية، بعدما تبيّن لمكتب مكافحة القمار أن منصات تُدار من خارج الأراضي
اللبنانية تستخدم هذه الحسابات في أعمال غير مشروعة.
وحسب المصدر، فإنّ هذا التحذير مهم لأنه يشرح آلية عمل جزء من السوق. المنصة قد تكون في الخارج، لكن الحركة المالية تحتاج إلى حساب محلي، أو وسيط، أو مستخدم يضع حسابه بتصرف الشبكة مقابل عمولة. عندها لا يبقى الموضوع مجرد رهان فردي على مباراة، بل يتحول إلى احتمال استخدام حسابات أشخاص في تحويلات مشبوهة أو غسل أموال أو إخفاء مصدر الأموال.
وحسب المصدر، أوقفت الجهات الامنية المختصة، أحد أبرز مديري شبكات لعب الميسر والمراهنات غير الشرعية عبر الإنترنت، بعد كشف شبكة امتد نشاطها في شمال لبنان والهرمل. وبحسب المصدر، جرى توقيف أفراد الشبكة وضبط هواتف وحواسيب وأدوات إلكترونية مستخدمة في إدارتها.
وفي سياق متّصل، كشف مكتب مكافحة القمار شبكة مرتبطة بألعاب "البارولي" والتلاعب بنتائج سباقات الخيل وممارسة المراهنات غير الشرعية عبر الإنترنت. اللافت لم يكن فقط عدد المشتبه بهم، بل أيضاً تجميد حسابات لدى شركات تحويل أموال كانت تُستخدم في عمليات المراهنات والقمار غير الشرعية. وهنا يظهر التقاطع بين الرهان، النقد، والتحويلات السريعة.
المقاهي.. للمراهنات البسيطة
في المقاهي وبين مجموعات الأصدقاء، تأخذ المراهنات شكلاً أبسط. رهان على نتيجة مباراة، مبلغ صغير بين شخصين، أو مشاركة في "مجموعة" تتوقع الفائزين والهدافين. لكن الخطر يبدأ عندما ينتقل الأمر من هذا الإطار الاجتماعي إلى منصات غير معروفة، تطلب حسابات شخصية أو صور هويات أو تحويلات متكررة، أو تربط المستخدم بوسيط لا يعرف الجهة التي يعمل لحسابها.كأس العالم يزيد هذا الخطر لأن الضغط النفسي والاندفاع الجماهيري أعلى. المباريات متلاحقة، والنتائج غير متوقعة، والمستخدم يشعر أن بإمكانه تعويض خسارة مباراة برهان جديد في المباراة التالية. هذا ما تستفيد منه المنصات. فهي لا تراهن على معرفة المستخدم بكرة القدم، بل على تكرار دخوله، وعلى السرعة، وعلى شعوره بأن الربح قريب دائماً.
الملاحقات لا تتوقف
واشار المصدر الأمني، لـ"لبنان24" إلى أنّه أمنياً، المعالجة في لبنان تتحرك على أكثر من مستوى: ملاحقة شبكات محلية، ضبط أجهزة، تجميد حسابات تحويل، والتحذير من المنصات الخارجية. لكن التحدي يبقى في الطبيعة العابرة للحدود لهذه المواقع. فإغلاق رابط لا يعني دائماً إغلاق الشبكة. قد يظهر رابط آخر، أو اسم جديد، أو قناة مغلقة، أو تطبيق بديل. لذلك تبدو المعركة أقرب إلى ملاحقة مستمرة لا إلى ضربة واحدة تنهي السوق.
الجانب المالي لا يقل أهمية. عندما تعمل مواقع من خارج لبنان وتستهدف مستخدمين لبنانيين، فإن الأموال تخرج من الرقابة المحلية. لا ضرائب واضحة، لا حماية للمستخدم، لا جهة يمكن مراجعتها عند الاحتيال، ولا ضمان بأن الأموال لا تمر في شبكات أوسع.
ماذا يقول القانون؟
وفي الإطار القانوني، يوضح مصدر قانوني لـ"لبنان24" أن القانون اللبناني يتعامل مع المراهنات وألعاب الميسر كأنشطة ممنوعة كقاعدة عامة، ولا يجيزها إلا ضمن نطاقات محددة ومرخّصة، مثل كازينو لبنان، وبعض أنشطة سباق الخيل، واليانصيب الرسمي. ويشير المصدر إلى أن أي موقع أو تطبيق يتيح المراهنة إلكترونياً على المباريات أو الأحداث العالمية للمقيمين في لبنان، من دون ترخيص صريح من الدولة، يُعدّ من حيث المبدأ نشاطاً غير مشروع جزائياً.
ويشرح المصدر أن قانون
العقوبات يجرّم تنظيم أو استثمار ألعاب المقامرة الممنوعة، سواء جرت في مكان عام أو في منزل خاص مخصّص لهذه الغاية، مع عقوبات تشمل الحبس والغرامة وإمكان الإقفال والمصادرة. أما في حالة المراهنات الإلكترونية، فلا يوجد حتى الآن، وفق المصدر، إطار قانوني لبناني خاص ينظّم هذا النوع من النشاط كما في بعض الدول، ما يعني أن هذه المنصات تُقيّم وفق القواعد العامة المتعلقة بالقمار والمقامرة الممنوعة.
ويضيف المصدر أن المشكلة تصبح أكثر تعقيداً عندما تكون المنصة الأساسية في الخارج، لأن مسألة الاختصاص والملاحقة تحتاج إلى إثبات وجود صلة فعلية بلبنان. لكن متى وُجد عنصر محلي، مثل وكيل، مكتب، حسابات لتحصيل الأموال، تحويلات منظمة، دعاية موجّهة إلى اللبنانيين، أو نقاط شحن وبيع تعمل لحساب موقع خارجي، تصبح إمكانية تطبيق القانون اللبناني أكبر، ويمكن عندها ملاحقة القائمين على هذه البنية باعتبارهم منظّمين لنشاط مقامرة غير مرخّص.
ويلفت المصدر إلى أن المسؤولية لا تقتصر فقط على الجهة التي تدير الموقع أو التطبيق، بل قد تطال أيضاً من يسهّل النشاط أو يروّج له أو يضع حسابه في خدمة هذه المنصات، تبعاً لطبيعة دوره والوقائع المثبتة. أما المستخدمون أنفسهم، فقد يكونون عرضة للمساءلة في حال ثبتت مشاركتهم في ألعاب مقامرة ممنوعة، وإن كانت المسؤولية الأساسية تبقى على المنظّمين والمستثمرين والمروّجين.
في النهاية، يبقى المونديال مساحة للفرح والتشجيع، لكن خلف هذا الحماس تتحرك سوق رقمية لا تخلو من المخاطر.وبين رهان عابر ومنصة غير معروفة، يصبح المطلوب وعياً أكبر حتى لا يتحول شغف كرة القدم إلى خسارة مالية أو مشكلة قانونية.