شهد
لبنان تطوراً سياسياً وأمنياً غير مسبوق مع الإعلان عن التوصل إلى اتفاق إطار ثلاثي بين لبنان والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من 14بندا، عقب جولة خامسة من المفاوضات المباشرة التي جرت في واشنطن واستمرت أربعة أيام، وشهدت تمديداً إضافياً نتيجة التعقيدات والخلافات التي رافقت النقاشات بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي.
وقد جاء الإعلان عن الاتفاق وسط تباين واضح في المقاربات والأهداف المعلنة للأطراف المعنية، إذ اعتبرت الدولة
اللبنانية أن ما تحقق يشكّل بداية مسار لاستعادة السيادة الكاملة على الأراضي اللبنانية وإنهاء الاحتلال
الإسرائيلي ، فيما رأت إسرائيل أن الاتفاق يفتح الطريق أمام إنهاء دور
حزب الله العسكري وتقليص النفوذ الإيراني في لبنان، بينما أكدت
الولايات المتحدة أن الاتفاق يمثل محطة أساسية في جهودها لتحقيق استقرار طويل الأمد في المنطقة.
وبحسب ما أعلنته السفارة اللبنانية في واشنطن، فإن الاتفاق ينص على إطلاق مرحلتين تجريبيتين تشملان انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً من مناطق محددة، وانتشار الجيش ، ونزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية، على أن تشكّل هذه الإجراءات مدخلاً إلى انسحاب شامل من الأراضي اللبنانية واستعادة الدولة اللبنانية سيادتها الكاملة.
وقد شدد رئيس الجمهورية جوزاف عون على أن الاتفاق يمثل "خطوة أولى على طريق استعادة سيادة الدولة"، مؤكداً التزامه باستكمال هذا المسار وصولاً إلى قيام دولة لا شريك لها في قرارها وسيادتها، فيما اعتبر رئيس الحكومة نواف سلام أن الإطار الجديد لا يخرج عن المبادئ التي نص عليها اتفاق الطائف وقرار مجلس الأمن 1701، والتي تؤكد حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية وحقها الحصري في اتخاذ قرار الحرب والسلم.
في المقابل، حملت التصريحات
الإسرائيلية والأميركية مضامين أكثر وضوحاً في ما يتعلق بمستقبل سلاح حزب الله. فقد أعلن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن أي انسحاب إسرائيلي من المنطقة الأمنية سيبقى مشروطاً بنزع سلاح الحزب بالكامل، مؤكداً تمسّك إسرائيل بحرية العمل العسكري داخل لبنان لمواجهة ما تعتبره تهديدات أمنية. كما نقلت تقارير إعلامية أميركية وإسرائيلية عن مصادر مطّلعة أن ضباطاً أميركيين سيشاركون إلى جانب الجيش اللبناني في تنفيذ المراحل التجريبية للاتفاق، في إطار آلية تنسيق عسكرية ثلاثية جديدة تشرف عليها الولايات المتحدة.
وتقرأ مصادر سياسية بارزة هذا الاتفاق، مشيرة إلى أنه أقرب إلى وثيقة تفرض على لبنان أثماناً سياسية وسيادية باهظة، في مقابل وعود غير مضمونة بالاستقرار وإعادة الإعمار. فالنص، بصيغته الحالية، يمنح إسرائيل ما عجزت عن تحقيقه عسكرياً خلال عقود من الصراع، عبر تكريس مجموعة من الالتزامات اللبنانية الأحادية تحت رعاية وإشراف أميركي مباشر.
وتقول المصادر إن الوثيقة لا تتعامل مع لبنان كدولة تفاوض من موقع الندية، بل تضعه في موقع الطرف المطلوب منه تنفيذ سلسلة طويلة من الالتزامات الأمنية والسياسية والعسكرية، فيما تحصل إسرائيل على ضمانات أمنية واستراتيجية واسعة من دون تقديم التزامات متكافئة أو واضحة زمنياً. إذ يتحوّل نزع سلاح حزب الله إلى الشرط الأساسي لكل شيء: الانسحاب الإسرائيلي، وإعادة الإعمار، والمساعدات الاقتصادية، وحتى استعادة الاستقرار الداخلي.
كما أن النص يكرّس الرواية الإسرائيلية للنزاع، من خلال تصوير كل العمليات العسكرية الإسرائيلية على أنها ردود فعل دفاعية، متجاهلاً عقوداً من الاحتلال والاعتداءات والحروب التي شهدها لبنان. وفي المقابل، يُطالب لبنان بتقديم التزامات نهائية وشاملة، وصولاً إلى فتح مسار يؤدي عملياً إلى اتفاق سلام كامل وعلاقات طبيعية مع إسرائيل.
إن القراءة السياسية لهذا الاتفاق تقود، بحسب المصادر، إلى استنتاج واضح: فهو ليس اتفاقاً متوازناً لإنهاء النزاع، بل إطار سياسي وأمني يمنح إسرائيل مكاسب استراتيجية تاريخية، تتمثل في إزالة ما تسميه أي تهديد عسكري على حدودها الشمالية، وفرض ترتيبات أمنية طويلة الأمد داخل لبنان، وفتح الباب أمام تطبيع تدريجي، كل ذلك تحت مظلة دولية تقودها الولايات المتحدة.
وعليه، يرى معارضو هذا الاتفاق أنه لا يشكّل تسوية عادلة بين طرفين، بل يمثل إعادة صياغة للواقع اللبناني بما يتوافق مع المصالح الأمنية الإسرائيلية، على حساب التوازنات الداخلية اللبنانية ومفهوم السيادة الوطنية، الأمر الذي يجعله واحداً من أكثر المشاريع السياسية إثارة للجدل في تاريخ الصراع اللبناني ـ الإسرائيلي.
وتعتبر مصادر سياسية أن أي تفاهم لبناني-إسرائيلي، كما أي تفاهم أميركي-إيراني، لا يهدف فقط إلى وقف النزاعات أو احتوائها، بل إلى تثبيت واقع جيوسياسي جديد يضمن للولايات المتحدة دوراً مركزياً في إدارة ممرات الطاقة وخطوط النقل والتوازنات الأمنية الممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط.
أما
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي رعى توقيع الاتفاق، فقد اعتبر أن الاتفاق يضع مساراً واضحاً لاستعادة سيادة الدولة اللبنانية وتفكيك البنية العسكرية لحزب الله، معلناً تقديم مساعدات أميركية بقيمة 130 مليون دولار تشمل دعماً إنسانياً وعسكرياً لتعزيز قدرات الدولة اللبنانية.
وفي مقابل الترحيب الرسمي اللبناني بالاتفاق، برز رفض واضح من جانب حزب الله وحلفائه. فقد اعتبر الحزب أن إسرائيل لا تزال تنتهك اتفاقات وقف إطلاق النار، مؤكداً تمسّكه بخيار المقاومة وعدم التخلي عن سلاحه، فيما رأى عدد من نوابه ومسؤوليه أن الاتفاق يمثل محاولة لفرض شروط سياسية وأمنية على لبنان تحت الضغط الأميركي والإسرائيلي. كما أكد وزيرا العمل محمد حيدر والصحة ركان ناصر الدين رفضهما أي تفاوض مباشر مع إسرائيل، مشددَين على أن
مجلس الوزراء لم يمنح أي تفويض بهذا الخصوص. وذهب النائب إيهاب حمادة إلى اعتبار الاتفاق "إسرائيلياً - إسرائيلياً"، محذراً من أن ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح حزب الله قد يقود إلى صدامات داخلية ويجعل الاتفاق غير قابل للتنفيذ على أرض الواقع.
وتزامن الإعلان عن الاتفاق مع استمرار التوترات الميدانية في جنوب لبنان، حيث واصلت القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية وتحركاتها الميدانية، بالتوازي مع احتجاجات وتحركات شعبية شهدتها الضاحية الجنوبية لبيروت ومحيط السراي الحكومي رفضاً للاتفاق.