بعد الإعلان عن وقف إطلاق نار شامل في لبنان للمرة الرابعة، يشهد الجنوب مرحلةً دقيقة وسط حالة من الترقب لجلاء الصورة ومدى التزام إسرائيل به، بعدما صعّدت اعتداءاتها العسكرية في محاولة لإسقاط الجهود الدبلوماسية والهرب من الضغوط الأميركية.
وقد بُذلت جهود تثبيت وقف إطلاق النار عبر مسارَين منفصلَين من حيث الآليات والأطراف؛ فالمسار الأول يرتبط بالمباحثات ال إيراني ة-الأميركية، إذ تمكّنت طهران من تضمين مذكرة التفاهم بنداً يؤكد وقف الحرب على مختلف الجبهات بما فيها لبنان. أما المسار الثاني، فيتمثّل في المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية في واشنطن ، والمتوقع استئنافها الثلاثاء 23 حزيران والاستمرار حتى الخميس 25 منه، وسط تباين واضح في أولويات الطرفَين.
تحديات واعتداءات
تؤكد مصادر سياسية لـ"النشرة" أن وقف إطلاق النار واجه تحديات كثيرة وكاد يطيح بالاتفاق الأميركي-الإيراني، بعد إصرار إسرائيل على مواصلة عملياتها العسكرية داخل ما تسمّيه "المنطقة الأمنية"، ورفضها الانسحاب قبل تفكيك البنية العسكرية لـ" حزب الله "، وسعيها إلى السيطرة على مرتفع "علي الطاهر" الاستراتيجي في النبطية نظراً لموقعه الجغرافي الحاكم عسكرياً.
وتوضح المصادر أن من أبرز أسباب استمرار التصعيد: سعي إسرائيل الفاضح إلى عرقلة مذكرة التفاهم الأميركي-الإيراني كيلا تُلزَم ببنودها، وتمسّكها بما تسمّيه "حرية الحركة" عبر الإبقاء على منطقة أمنية والإصرار على حق الرد، إضافة إلى توظيف نتنياهو الحربَ ورقةً للبقاء والهروب من أزماته الداخلية المتصاعدة وتأجيل الاستحقاقات السياسية التي تهدد مستقبله.
تحليل سياسي
يقول المحلل السياسي الدكتور علي مطر لـ"النشرة" إن الإصرار الإسرائيلي على عدم الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار يعود بالدرجة الأولى إلى رفض نتنياهو مخرجاتِ الاتفاق الأميركي-الإيراني الذي وجد نفسه مضطراً إلى القبول به رغم تحفظاته العميقة عليه. ويرى مطر أن نتنياهو يعدّ عدمَ إسقاط النظام الإيراني وعدم القضاء على برنامج تخصيب اليورانيوم واستبعاده من مسار المفاوضات ضربةً لمشروعه السياسي وتجسيداً لفشله في تحقيق أهدافه.
ويضيف مطر أن نتنياهو ينظر إلى الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار في لبنان باعتباره انتكاسة كبرى لمشروعه الإقليمي الرامي إلى إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط عبر إسقاط النظام الإيراني والقضاء على حزب الله. ويعتبر مطر أن هذا المشروع تبخّر عملياً مع الاتفاق، في حال الالتزام به، مما دفع نتنياهو إلى محاولة تقويضه عبر التصعيد العسكري وفرض وقائع جديدة على الأرض، من خلال المطالبة بحرية الحركة داخل الأراضي اللبنانية وإنشاء منطقة عازلة والحفاظ على بعض المكاسب التي حقّقها خلال الحرب.
ويشير مطر إلى أن نتنياهو انتقل إلى مسار جديد في التعاطي مع الدولة اللبنانية بعد أن كان يرفض أي تفاوض معها ويستخفّ بدورها، فأصبح يسعى اليوم إلى استثمار هذا المسار للحصول على مكاسب سياسية وأمنية، أبرزها ما يصفه بـ"حرية الحركة" وفرض "المناطق التجريبية"، في إطار هدف أوسع يتمثّل في نزع سلاح حزب الله وتأمين بيئة أمنية تخدم المستوطنات الإسرائيلية، مما يُتيح له الالتفاف على نتائج الاتفاق الأميركي-الإيراني وتحميل حزب الله مسؤولية أي توتر مستقبلي.
ويرى مطر أن جوهر الإشكالية في لبنان يكمن في التباين بين المسار الذي تتبناه الدولة اللبنانية عبر التفاوض المباشر، والمسار الذي يريده حزب الله وأهالي الجنوب. ويعتبر أن بعض الطروحات التفاوضية تمثّل تنازلات تمسّ السيادة اللبنانية وتصبّ في مصلحة إسرائيل، خلافاً لما نصّ عليه الاتفاق الأميركي-الإيراني من وقف شامل لإطلاق النار وضمان سلامة أراضي لبنان وسيادته، وهو ما يستوجب، في رأيه، انسحاباً إسرائيلياً كاملاً من الأراضي اللبنانية المحتلة.
ويختم مطر بالإشارة إلى أن السلطة اللبنانية اختارت الذهاب إلى واشنطن للتفاوض باسم الدولة، ومن المرجّح استمرارها في هذا المسار. بيد أن التحدي الأساسي يبقى في قدرتها على إلزام إسرائيل بوقف شامل لإطلاق النار ووضع جدول زمني واضح للانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة. كما يرفض مطر فكرة "المناطق التجريبية"، واصفاً إياها بأنها طرح إسرائيلي مستحدث يسعى إلى استنساخ نموذج مشابه لما هو قائم في الضفة الغربية، مؤكداً أن لبنان ليس بحاجة إلى تقديم أي تنازلات إضافية في هذا الشأن.
المصدر:
النشرة