شكّل نصّ الاتّفاق الحرفي لـ" مذكرة إسلام آباد " بين الولايات المتحدة و إيران زلزالاً دبلوماسياً حقيقياً على صعيد منطقة الشرق الأوسط والعالم. الافتراض الأولي الذي روّجت له واشنطن يوحي بأن هذه الوثيقة تمثل إنجازاً تاريخياً ينهي الحرب ويحمي استقرار الشرق الأوسط. لكن، وبمجرّد الإطلاع والتعمّق في وثيقة الاتّفاق المؤلّفة من 14 نقطة أو بندا، نرى بتفكيك الفقرات الأولى من الاتفاق خطوة بخطوة أنّه يكشف عن "هندسة تسوية" وُلدت مشوّهة، وتحديداً في ما يخص لبنان ، الذي وُضع كأوّل بند على طاولة المقايضة الجيوسياسية.
وتفخيخ مصطلح السيادة يبدأ من الفقرة الأولى للاتفاق بنص حاسم يلزم أميركا وإيران "وحلفاءهما" بالإنهاء الفوري للعمليات العسكريّة وتأمين "وحدة أراضي وسيادة لبنان". وهنا يبرز الخلل المنطقي الفادح؛ فالنص يفترض، بسذاجة سياسية أو بتجاهل متعمّد، أن كلاً من واشنطن وطهران تمتلكان "أزرار تحكم" مطلقة بساحات معقدة. ويبرز مصطلح "السيادة" هنا مفخخ بالكامل. فبالنسبة للجانب الأميركي والإسرائيلي، سيادة لبنان تعني حتماً تفكيك البنية العسكريّة ل حزب الله وإبعاده عن جنوب الليطاني. أما في القاموس الإيراني، فالسيادة تعني حماية لبنان من التدخل الإسرائيلي مع الاحتفاظ بسلاح المقاومة كجزء من المنظومة الدفاعيّة. ومع ما جاء بالفقرة الأولى للاتفاق لم يحل هذه المعضلة، بل اكتفى بـ"غموض بنّاء" يؤجّل الانفجار الداخلي اللبناني ولا يمنعه.
أمّا لجهة الزوايا اللبنانية غير الموجودة، بدا واضحا أنّ النص غَيَّب أي ذكر للدولة اللبنانية الرسميّة كمحاور أو شريك. حيث تم اختزال لبنان بساحة جغرافيّة تتفاوض عليها قوّتان خارجيتان. والادعاء غير المدعوم هنا هو قدرة مذكرة خارجيّة على فرض استقرار داخلي في بلد ممزّق دون التطرّق للقرارات الدوليّة (مثل القرار 1701) أو دور الجيش اللبناني. وهذا الإغفال المتعمّد يحوّل الوثيقة إلى "اتفاق هدنة عابر" وليس حلاً جذرياً، مما يُبقي السيادة اللبنانيّة مجرد حبر على ورق.
أمّا لجهة العدو الاسرائيلي فهو يشعر أنّه مطعون، تل أبيب وعبر وسائل إعلامها كانت وضاحة تماما وهي قرأت هذا البند كطعنة استراتيجية في الظهر من حليفها الأميركي. إيقاف الحرب بشكل دائم دون تضمين نص صريح يُلزم حزب الله بالتراجع أو نزع السلاح، يُمثل انهياراً لأهداف "حرب الشمال" الإسرائيليّة المزعومة. وترى أن هذا الاتفاق يكبّل يديها ويمنح النفوذ الإيراني في المشرق العربي شرعيّة أميركية غير مسبوقة.
وهنا لا بدّ من الاعتراف بأنّ طهران بدت هي اللاعب الرابح رغم الخسائر الضخمة الّتي تعرّضت لها من الحرب الأميركية-الإسرائيلية عليها وأصابتها بأضرار جسيمة من زاوية معاكسة، فقد حققت طهران انتصاراً سياسياً كبيراً. بمجرد إجبار واشنطن على إدراج اسم "لبنان" في وثيقة ثنائية بينهما، يُعد اعترافاً أميركياً رسمياً بدور الجمهوريّة الإسلاميّة كـ"ضامن أمني" في حوض البحر الأبيض المتوسط . واستطاع الرئيس الايراني مسعود بزشكيان حماية البنية العسكرية لحلفائه تحت غطاء اتفاق دولي مُلزم.
في هذا السياق تأتي براغماتية واشنطن الانتخابية لأنّ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا تبحث عن حلول بنيوية لأزمات الشرق الأوسط، بل تلهث خلف "صورة نصر" سريعة. وهي ترى أن إدراج لبنان كان الثمن الضروري لإقناع إيران بتوقيع المذكّرة. والانحياز البراغماتي هنا واضح؛ أميركا مستعدة لتجاوز هواجس حلفائها الإسرائيليين إذا كان ذلك يضمن الهدوء قبل استحقاقات تشرين الثاني المقبل الانتخابية من الاعام الجاري.
في الخلاصة، قد نشهد حربًا مدمّرة أكثر ضراوة وشراسة خلال العقدين المقبلين، إذا لم يتم التوصّل الى حلّ مستدام في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي الّذي سيدخل حتمّا بعد فترة الحرب الّتي حصلت في سباق ضخم على التسلّح، وفي انزلاق انفتاحي تدريجي باتّجاه التنّين الصيني.
المصدر:
النشرة