فرضت التحولات الأخيرة في المنطقة واقعاً سياسياً جديداً لم يقتصر تأثيره على العواصم المعنية مباشرة به، بل امتدّ إلى
لبنان الذي وجد نفسه مجدداً أمام انعكاسات تفاهمات وتوازنات تتجاوز حدوده. وفي وقت بدأت فيه ملامح مرحلة مختلفة تتشكل على المستوى الإقليمي، برزت في الداخل اللبناني أسئلة جدية حول مصير رهانات سياسية سادت خلال الأشهر الماضية، وحول قدرة القوى التي بنت حساباتها على استمرار المواجهة على التعامل مع المشهد الجديد الذي أخذ يتكرس تباعاً.
فالتفاهم الأميركي
الإيراني لم ينعكس على موازين القوى الإقليمية فحسب، بل أعاد خلط الأوراق داخل لبنان أيضاً. ذلك أن جزءاً من الطبقة السياسية تعامل مع الحرب باعتبارها فرصة لإحداث تبدلات داخلية لم تنجح السياسة في تحقيقها، وربط مستقبله السياسي بمسار المواجهة ونتائجها. ومع بدء تراجع احتمالات التصعيد المفتوح وعودة الحديث عن التسويات والتفاهمات، وجد هذا الفريق نفسه أمام واقع مختلف عن ذلك الذي بنى عليه خطابه ومواقفه خلال المرحلة السابقة.
وتشير مصادر شديدة الاطلاع إلى أن هذا التحول لم يمرّ من دون نقاشات داخل مؤسسات الدولة وأروقة السلطة. فبحسب المصادر، يتزايد الحديث في الكواليس عن ضرورة إجراء مراجعة شاملة للأداء السياسي والإداري الذي رافق المرحلة الماضية، في ظل قناعة متنامية بأن لبنان مقبل على مرحلة مختلفة تحتاج إلى مقاربات مختلفة أيضاً. وتلفت المصادر إلى أن البحث لا يقتصر على تعديلات شكلية أو إدارية، بل يطال أداء عدد من الوزراء والمسؤولين الذين ارتبطت أسماؤهم بخطابات سياسية حادة خلال فترة الحرب.
وفي هذا السياق، يبرز اسم
وزير الخارجية يوسف رجي في صلب النقاش الدائر حول المرحلة المقبلة. إذ تعتبر المصادر أن وزير الخارجية يوسف رجي لم يتصرف في كثير من
المحطات باعتباره ممثلاً للدولة
اللبنانية بكل مكوناتها، بل بدا أقرب إلى امتداد سياسي للخط الذي ينتمي إليه. وبحسب المصادر، فإن المرحلة التي بدأت تتشكل بعد التطورات الأخيرة في المنطقة تفرض خطاباً مختلفاً ومقاربة مختلفة، وتحتاج إلى وزير خارجية يضع المصالح الوطنية اللبنانية فوق الاعتبارات الحزبية الضيقة.
وتلفت المصادر إلى أن النقاش الدائر اليوم لا يمكن فصله عن طبيعة المرحلة التي حكمت أداء السلطة خلال الأشهر الماضية. فالمواقف التي صدرت عن رجي لم تواجهَ في حينه بأي اعتراض أو تصويب من الجهات الرسمية، ما عكس انسجاماً مع المقاربة السياسية التي كانت تحكم إدارة تلك المرحلة. أما اليوم، ومع التحولات التي تشهدها المنطقة وبدء تشكل واقع سياسي مختلف، فإن أي مراجعة جدية لم تعد تقتصر على الأشخاص بقدر ما تفرض إعادة النظر بالخيارات التي حكمت أداء السلطة خلال الفترة الماضية ومدى ملاءمتها للمرحلة الجديدة.
وتكشف المصادر أن النقاش الدائر يتجاوز مسألة التعديل الوزاري ليصل إلى طبيعة الحكومة نفسها ودورها في المرحلة المقبلة. فثمة قناعة تتشكل لدى بعض الأوساط السياسية بأن التحولات الإقليمية تفرض إعادة تموضع للعهد وللسلطة التنفيذية ضمن مقاربة أكثر اتزاناً وقدرة على تمثيل مختلف اللبنانيين، بعيداً عن الاصطفافات الحادة التي حكمت المرحلة الماضية. ومن هنا، لم يعد الحديث محصوراً بتبديل وزير أو أكثر، بل بات يطال شكل المرحلة السياسية المقبلة برمتها، وصولاً إلى موقع رئاسة الحكومة ودورها.
ورغم التحولات التي فرضتها المرحلة الأخيرة، لا تبدو جميع القوى السياسية مستعدة للتسليم بالوقائع الجديدة. فبحسب المصادر، لا يزال البعض يراهن على إبقاء لبنان تحت وطأة الضغوط السياسية والأمنية، أملاً في تحقيق ما لم تنجح الحرب في تحقيقه. وتضيف المصادر أن هذا الرهان يتقاطع إلى حد كبير مع المساعي
الإسرائيلية المستمرة لمنع ترجمة التفاهمات الإقليمية على الساحة اللبنانية، انطلاقاً من قناعة لدى هؤلاء بأن أي تبدل في موازين القوى التي أفرزتها المرحلة الأخيرة سيكون له انعكاسات داخلية تمسّ موقعهم السياسي وحجم تأثيرهم في المرحلة المقبلة.
من هنا، لا يقتصر النقاش المطروح اليوم على شكل التفاهمات التي بدأت تتكرس في المنطقة أو على انعكاساتها المباشرة، بل يمتد إلى مستقبل الخيارات التي بُنيت عليها رهانات المرحلة الماضية. فالتطورات الأخيرة لم تبدّل المشهد الإقليمي فحسب، بل فرضت وقائع جديدة على الداخل اللبناني أيضاً. ومع دخول المنطقة مرحلة مختلفة، تبدو قوى سياسية عدة أمام استحقاق إعادة النظر بحسابات لم تعد تنسجم مع الواقع الذي أخذ يتشكل، فيما لم يعد ممكناً التعامل مع لبنان على أساس المعادلات نفسها التي حكمت المرحلة السابقة.