ثمة فارق جوهري بين دولة ترفض التفاوض وأخرى تقبله شكلاً وتُفرغه مضموناً. كثيرون يتساءلون عما تريده اسرائيل فعلياً من مفاوضاتها مع لبنان وما هي غاياتها الخفية؟ لا يمكن اعطاء جواب شاف مئة في المئة، انما التحليل المنطقي يشير الى انها تريد اضفاء طابع الشرعية الدبلوماسية على الهيمنة. المسار التفاوضي قائم، والوسيط الأميركي حاضر، والأطراف تتحدث، لكن شيئاً لم يتغير على الأرض. وهذا الجمود ليس فشلاً تقنياً بل نتاج حسابات مدروسة. المعادلة التي تعتمدها إسرائيل بسيطة في جوهرها: الإبقاء على حضور ميداني يرسّخ وقائع قبل تحديد أي تسوية، والدليل الاكبر التأكيد شبه اليومي على عدم الانسحاب من المساحات التي احتلتها في لبنان حتى في حال تم التوصل الى وقف إطلاق النار، واستمرار الاعتداءات التي تستنزف أي مناخ تفاوضي قبل أن ينضج. ليس هذا إهمالاً لجدول الأعمال الدبلوماسي، بل إدارة خبيثة له بهدف تحصين الوقائع الميدانية في مواجهة أيّ اتفاق محتمل. ولعل الأكثر فداحة في هذا السياق، ما يطال الجيش اللبناني من استهداف متكرر، علماً انه هو نفسه الذي تطالب به إسرائيل وفق صيغ التسوية المطروحة ليتولى امن المناطق اللبنانية، والطرف الذي يفترض أن ينتشر جنوباً ويضمن تطبيق أي اتفاق. إلا أن استهدافه يكشف التفكير الاسرائيلي الخبيث والمريض: جيش لا يستطيع ملء الفراغ، يبقي الذريعة حيّة بعدم وجود طرف لبناني قادر على ضبط الحدود، فيظل التدخل العسكري الإسرائيلي مبرّراً، لا كموقف طارئ بل كضرورة اساسية، وبهذه الطريقة تصبح الانتهاكات الميدانية وقود المسار التفاوضي ذاته، لا عائقاً أمامه.
يمتد هذا المنطق ليطال صورة الدولة اللبنانية برمّتها على المستويين معاً. داخلياً، تجد القيادة نفسها في موقف من يُسأل: كيف تدعو إلى خيار سيادي فيما حليفك الأميركي لا يكبح الجرائم اليومية على أرضك؟ وخارجياً، تبدو الدولة عاجزة أمام المجتمع الدولي، فيتعزز الخطاب الإسرائيلي القائل إن لا شريك فعلياً للتفاوض معه. وهكذا تخلق إسرائيل من الضعف اللبناني أداة تفاوضية، ثم تتذرع به مبرراً لعدم الانسحاب.
الولايات المتحدة في هذه المعادلة ليست وسيطاً محايداً. إدارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب تشيد بالقيادة اللبنانية وتصف قراراتها بالتاريخية، وهذا الإطراء حقيقي في جانب منه لأن لبنان يخدم مصلحة واشنطن بابتعاده عن محور طهران. غير أن ما يكشف طبيعة هذا الدعم هو أن الإدارة الأميركية تحتاج الى "مسار التفاوض" لتقديمه كإنجاز معنوي في سياستها الإقليمية بمعزل عن نتائجه الفعلية. العملية ذاتها لها قيمة إعلامية وسياسية حتى حين تدور في فراغ، وهذا بالضبط ما يفسّر غياب الضغط الأميركي الفعلي على الانتهاكات الميدانية الإسرائيلية.
ومن هذه الزاوية يبدو تهميش الدور الأوروبي انعكاساً طبيعياً لمنطق الوصاية الأحادية، لا استثناء عنه. فرنسا التي تمتلك تاريخاً وحضوراً في المنطقة عموماً وفي لبنان بشكل خاص، وجدت نفسها محصورة في دور رقابي ضمن لجنة المراقبة بعد وقف إطلاق النار 2024 ، هذا الحضور منحها حينها مقعداً على الطاولة من دون أن يؤثر على الخطة السياسية الأشمل. و"الوسيط الواحد" يتحكم في سقف التفاوض لأنه يضع شروط الممكن وحدود المقبول، والتعددية في الضامنين كانت ستتيح للبنان هامش مناورة افتقر إليه كلياً، إذ كان يمكن للثقل الأوروبي أن يوازن الانحياز الأميركي-الإسرائيلي ويفرض ضمانات تنفيذ فعلية.
إن ما يواجهه لبنان ليس مفاوضات مع عدو يرفض التسوية، بل ما هو أصعب: مسار دبلوماسي مصمَّم بحيث يستهلك الوقت والطاقة ويمنح غطاء للوقائع الجديدة بدلاً من العمل على تغييرها. العامل غير المتوقع كان دخول ايران على الخط اللبناني وبقوّة، حيث اخذت كل الاوراق بيدها ونجحت في فرض شروط لبنانية من خلال التفاهم مع اميركا، التي برأي الكثيرين، لن تمانع في اعتبار ايران "الاخ الاكبر" للبنان اذا ما تطابق هذا الامر مع مصالح واشنطن وترامب تحديداً.
المصدر:
النشرة