لم يقتصر الاتفاق الأميركي- الإيراني على عناوينه الإقليمية العامة، بل بات يشمل الساحة ال لبنان ية مباشرةً من خلال التفاهم على وقف كامل للعمليات العسكرية، مما يفتح الباب أمام مرحلة مغايرة ستخضع لمتابعة دقيقة خلال الأيام القليلة السابقة للموعد المتوقع لتوقيع الاتفاق يوم الجمعة المقبل.
وبحسب مصادر معنية، فإن أهمية هذه المرحلة لا تكمن فقط في تثبيت وقف العمليات، بل فيما سيرافقه من ترتيبات سياسية وأمنية تُعين على فهم طبيعة المرحلة المقبلة وحدودها، وكيف يمكن للبنان أن يبني عليها في مقاربته للملفات العالقة. فلبنان يقف اليوم أمام فرصة لإعادة التموضع داخل المشهد التفاوضي بدلاً من الاكتفاء بدور المتلقّي لنتائج التفاهمات الخارجية.
وتؤكد المصادر عبر "النشرة" أن الحديث الجدي عن مسار تفاوضي لبناني لم يعد قابلاً للتأجيل، إذ إن التحولات الجارية ستفرض مقاربة جديدة تختلف عن تلك التي حكمت المرحلة السابقة، خصوصاً أن أي تسوية إقليمية شاملة ستنعكس تلقائياً على الداخل اللبناني. ومن هنا، فإن السلطة اللبنانية ستكون أمام خيارين: إما المبادرة إلى الإمساك بزمام الملف والانخراط في مفاوضات جدية تحمي المصالح الوطنية وتؤمّن حضور الدولة على طاولة القرار -وهذا يستلزم إعادة النظر في المسار السابق برمّته- وإما الاستمرار في سياسة الانتظار، بما قد يُبقيها مستبعدة من التفاهمات الأساسية التي سترسم معالم المشهد القادم.
أما على المستوى الإنساني والاجتماعي، فتبرز قضية عودة النازحين إلى قراهم بوصفها من أكثر الملفات إلحاحاً وحساسيةً. وتشير المصادر إلى أن العودة إلى القرى الخالية من أي وجود للعدو الإسرائيلي أو البعيدة نسبياً عن نقاط انتشاره تبدو مقبولة في المرحلة المقبلة، لا سيما إذا ترسّخ مسار التهدئة وتكرّست ضمانات وقف العمليات العسكرية.
في المقابل، تدعو المصادر إلى التعامل بحذر بالغ مع ملف العودة إلى القرى التي لا يزال الاحتلال موجوداً فيها أو في محيطها المباشر، محذّرةً من أن أي اندفاعة غير محسوبة قد تُعرّض المدنيين لمخاطر جسيمة. لذلك، ينبغي أن يبقى هذا الملف مرتبطاً بالتطورات الميدانية وبالترتيبات التي قد تتبلور خلال الأيام المقبلة، سواء لجهة تثبيت خطوط الانتشار أو توفير الضمانات الأمنية اللازمة.
وفي انتظار اتضاح الصورة النهائية للتفاهم المرتقب، تجد بيروت نفسها في مرحلة انتقالية تتشابك فيها الحسابات المحلية والإقليمية، وتتقدم فيها الواقعية السياسية على الشعارات. والسؤال المطروح بإلحاح هو كيفية توظيف نتائج المسار الإقليمي لبنانياً، وتحويل لحظة التهدئة المحتملة إلى فرصة لبناء مظلة تحمي مصالح اللبنانيين، بدلاً من الاكتفاء بمراقبة التحولات الكبرى من خارج دائرة التأثير.
والأيام الفاصلة عن الموعد المفترض للتوقيع ستكشف ما إذا كان لبنان يتجه فعلاً نحو مرحلة جديدة عنوانها تثبيت الاستقرار وفتح أبواب التفاوض، أم أن التعقيدات التي طالما رافقت الملف اللبناني ستفرض نفسها من جديد.
المصدر:
النشرة