آخر الأخبار

لبنان في اتفاق واشنطن وطهران.. وقف نار أم هدنة تنتظر الاختبار؟

شارك
أعاد الاتفاق الأميركي-الإيراني الجديد خلط الأوراق في المنطقة، بعدما بدا أن الحرب المفتوحة تجاوزت قدرة كل المسارات الجزئية على احتوائها. فعلى الرغم من أنّ جوهر الاتفاق يتصل بالمواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران، وبالملف النووي ومضيق هرمز والعقوبات، فإنّ لبنان حضر سريعًا في صلب النقاش، كواحدة من الساحات التي لا يمكن فصل مصيرها عن مآلات التفاهم الأوسع، بعدما نصّ الاتفاق على وقف العمليات العسكرية "على كل الجبهات".

انطلاقًا من هذا التفصيل غير الجانبي، لم يُقرَأ الاتفاق في لبنان من زاوية إقليمية فقط. فاللبنانيون الذين عاشوا خلال الأشهر الماضية على إيقاع الغارات والإنذارات والنزوح والقلق من توسّع الحرب، تعاملوا معه من زاوية واحدة تقريبًا: هل تتوقف النار فعلًا؟ وهل تنتهي مرحلة الاتفاقات التي تُعلن في الخارج ثم تصطدم، عند أول اختبار، بحسابات الميدان ومواقف الأطراف المعنية؟ وهل تقبل إسرائيل هذه المرّة بالتخلّي عمّا تسمّيه "هامش الحركة"؟
هنا تحديدًا تكمن المفارقة. فلبنان حاضر في الكلام عن الاتفاق، ومشمول به بحسب ما يؤكد أطرافه، لكنه لا يزال ينتظر ما هو أكثر من الإعلان السياسي. الدولة اللبنانية لم تتحول بعد إلى شريك كامل في صياغة الآلية التنفيذية، والجنوب لم يدخل بعد مرحلة الاطمئنان الفعلي، وإسرائيل سارعت إلى ترك هامش واسع لنفسها عبر التأكيد أنها ليست طرفًا مباشرًا في التفاهم، حتى إن وزير دفاعها يسرائيل كاتس خرج بموقف يكاد يكون مناقضًا لكل ما أُعلن، مؤكّدًا أن إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان.

اتفاق لا يبدأ من بيروت
منذ نيسان الماضي، خاضت الدولة اللبنانية أربع جولات تفاوضية في واشنطن، ودافعت في كل منها عن ثلاثة مبادئ: وقف شامل لإطلاق النار، احترام الحدود الدولية المعترف بها، وسيادة الدولة على كامل أراضيها. وكان الوفد اللبناني يتحضّر لجولة خامسة كان مقررًا أن تُعقد في 22 حزيران الجاري، حين أتى التفاهم الأميركي-الإيراني ليغيّر معادلة المشهد بالكامل.
انطلاقًا من ذلك، الواضح أن الاتفاق لم يولد من المسار اللبناني المباشر، حتى لو كان لبنان أحد أبرز المتأثرين به. فالجهد الأميركي السابق لوقف النار على الجبهة اللبنانية اصطدم مرارًا بتعقيدات الشروط الإسرائيلية ، وموقف " حزب الله "، وحسابات الدولة اللبنانية التي حاولت الحفاظ على موقعها الرسمي في التفاوض من دون امتلاك كل أوراق الميدان.
لكنّ دخول إيران على خط التفاهم الأوسع مع واشنطن جعل لبنان جزءًا من معادلة أكبر. فطهران، التي نظرت إلى الجبهة اللبنانية بوصفها ورقة ضغط أساسية في المواجهة الإقليمية، لم تكن لتقبل اتفاقًا يوقف النار في الخليج ويترك لبنان مفتوحًا على التصعيد. من هنا، جاء إدراج لبنان ضمن الحديث عن وقف شامل للعمليات ليؤكد أن الجبهة اللبنانية كانت تُدار، في جانب أساسي منها، ضمن منطق "ربط الساحات"، بمعزل عن الإرادة الرسمية لبيروت.
وإذا كانت الدولة اللبنانية وجدت نفسها أمام تفاهم يخصّ أرضها وحدودها، وتعرف ببنوده من التصريحات والوكالات لا من قناة دبلوماسية مباشرة، فإنّ الحقيقة التي يجب قراءتها بوضوح هي أن لبنان استفاد من إصرار طهران على إدراجه، ولو لم يكن صاحب النص ولا طرفًا في صياغة شروط وقف النار على أرضه.
إلا أنّ هذا الواقع يطرح بجدية السؤال عن موقع الدولة في المرحلة التالية: هل تكون شريكًا في تحويل الاتفاق إلى ترتيبات واضحة على الأرض، أم تبقى في موقع من ينتظر ما يتقرر في عواصم أخرى ثم يحاول التعامل مع نتائجه؟ وإذا لم يُفرض الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب وفق آلية واضحة، وإذا لم تُحدَّد مناطق تمركز الجيش اللبناني في نص ملزم، فأي وقف نار يمكن ضمانه؟

الميدان يختبر النص
على الرغم من أن تاريخ لبنان مع اتفاقات وقف النار ليس مشجّعًا، لا تستطيع الدولة اللبنانية تجاهل أهمية أي تفاهم يخفف الحرب عن اللبنانيين. لكنها في المقابل لا تستطيع التعامل مع الاتفاق كأنه بديل عن دورها. فوقف النار يحتاج إلى مرجعية رسمية واضحة، وآلية رقابة، وضمانات، وجدول زمني للانسحاب من النقاط التي تتمسك بها إسرائيل، ومسار يسمح بعودة النازحين من دون تحويل العودة إلى مغامرة جديدة.
أكثر من ذلك، فإن أي اتفاق في لبنان لا يُقاس بما يُقال عنه في الساعات الأولى، بل بما يحدث على الأرض بعد دخوله حيّز التنفيذ. هذه ليست تجربة جديدة. فقد عرف اللبنانيون في الأشهر الماضية أكثر من صيغة لوقف النار أو خفض التصعيد، لكنها بقيت هشّة، إما بسبب غياب الالتزام الإسرائيلي، أو بسبب استمرار منطق الردود المتبادلة، أو بسبب استخدام كل طرف للثغرات من أجل توسيع هامش الحركة.
ومع أنّ الاتفاق الأميركي-الإيراني يحمل ثقلًا أكبر هذه المرة، فإنّ المشكلة تكمن في أن إسرائيل تعلن صراحةً أنها ليست طرفًا فيه. ومثل هذا الكلام يعني أنها تحاول إبقاء قرارها العسكري منفصلًا عن مسار التهدئة الإقليمية. بهذا المعنى، قد تقبل تل أبيب بخفض مستوى العمليات تجنبًا للاصطدام مع واشنطن، لكنها لا تبدو مستعدة للتخلي سريعًا عن الأوراق التي راكمتها ميدانيًا في الجنوب.
هذا يعني عمليًا أن وقف النار قد يتحول إلى وقف نار من جهة واحدة: تتوقف عمليات "حزب الله" التزامًا بالتفاهم مع إيران ، فيما تحتفظ إسرائيل بهامش عمل واسع تحت مسمّى "الحفاظ على المصالح الأمنية". في هذه الفجوة تحديدًا يكمن الخطر، إذ إن أي ضربة إسرائيلية بعد إعلان وقف النار ستفتح بابًا للتصعيد يصعب إغلاقه، وستعيد المشهد إلى نقطة الصفر قبل أن يكتمل التوقيع الرسمي في سويسرا.

حزب الله والنازحون أمام الاستحقاق
في المقابل، لا يمكن لـ"حزب الله" أن يتعامل مع الاتفاق كأنه تفصيل عابر. فإدراج لبنان في التفاهم يمنحه مخرجًا من حرب طويلة ومكلفة، وربما يعطيه الحجة أيضًا. فهو رفض التفاوض المباشر مع إسرائيل، لكنه لا يرفض مسار التفاوض الإيراني مع واشنطن، وقد راهن على هذا المسار تحديدًا من أجل إنهاء الحرب، لا على مسارات تقوم على تقديم تنازلات مجانية للعدو، بما يدفعه إلى الطمع أكثر. لكنّ هذا الاتفاق يضع الحزب أيضًا أمام استحقاق الالتزام بوقف النار إذا توافرت شروطه. فالحزب الذي رفض سابقًا صيغًا اعتبرها منحازة لإسرائيل، سيجد نفسه أمام معادلة مختلفة إذا كان وقف النار جزءًا من اتفاق ترعاه طهران نفسها، أو تقبل به ضمن تسوية أشمل مع واشنطن.
أما الناس في الجنوب، فهم الطرف الأكثر انتظارًا لما ستكشفه الأيام المقبلة. بالنسبة إليهم، لا تكفي البيانات كي يعودوا إلى القرى، ولا تكفي التصريحات كي يشعروا بأن الحرب انتهت. العودة تحتاج إلى أمن فعلي، ووقف للغارات، وانسحاب من المناطق المحتلة أو المتقدمة، وخطة واضحة للتعامل مع حجم الدمار. من دون ذلك، يبقى الاتفاق عنوانًا سياسيًا كبيرًا فوق واقع ميداني لم يتغير بما يكفي.
لذلك، قد يكون الاتفاق الأميركي-الإيراني بداية مسار لا نهايته. فهو يفتح الباب أمام تهدئة واسعة، لكنه لا يجيب وحده عن الأسئلة اللبنانية الأكثر حساسية: من يضمن وقف النار؟ من يراقب تنفيذه؟ ماذا عن الانسحاب الإسرائيلي؟ كيف تُدار عودة النازحين؟ وأي دور سيكون للجيش اللبناني في المرحلة المقبلة؟

نافذة مفتوحة
يفتح الاتفاق الأميركي-الإيراني نافذة حقيقية، ربما هي الأوسع منذ أكثر من عام. ثقل واشنطن وطهران معًا خلف وقف النار يختلف نوعيًا عن كل ما سبق. ولبنان الرسمي الذي صمد في جولاته التفاوضية ودافع عن خط ثابت، قادر على استثمار هذه اللحظة إذا تصرّف بسرعة: بطلب تبليغ رسمي بالبنود، وبتحديد آليات الانسحاب والرقابة، وبالتمسك بأن تتحول الجولة الخامسة في 22 حزيران إلى جولة تنفيذ لا جولة تفاوض جديدة.
المفارقة أن لبنان حاضر في الاتفاق بوصفه جبهة، لكنه ما زال ينتظر أن يُعامَل كدولة معنية بالتنفيذ، لا كساحة يجري تثبيت الهدوء فيها من الخارج. وقف النار لا يكتبه النص وحده، بل يكتبه من يملك القدرة على فرضه. والسؤال الذي ستجيب عنه الأيام القليلة المقبلة هو: هل يملك لبنان اليوم من القدرة والسند الدولي ما يكفي لتحويل هذه الهدنة الإقليمية إلى سلام يُقاس في الجنوب؟
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا