آخر الأخبار

المفتي دريان في رسالة السنة الهجرية: لا حياة للبنان من دون الدولة الواحدة

شارك
وجّه مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان رسالة بمناسبة السنة الهجرية الجديدة، استحضر فيها معاني الهجرة النبوية كدرس في الثبات والحرية وبناء الدولة الجامعة والعيش المشترك، رابطاً بينها وبين واقع لبنان اليوم.
وشدّد على ضرورة استعادة الدولة اللبنانية الواحدة بسيادتها وجيشها ومؤسساتها، بدعم من الأشقاء والأصدقاء وفي مقدمتهم السعودية ، محذّراً من غلبة السلاح ومن صراع إسرائيل وإيران على الأرض اللبنانية.
كما دعا إلى التضامن مع المهجّرين، ورفض سلاح الفتنة خارج إطار الدولة، والوقوف خلف السلطات في مساعيها لوقف القتل والتدمير واستعادة السلم والأرض، مؤكداً أن الأمل بقدرة اللبنانيين على التوافق والتضامن لن يخمد.

وجاء في نص الرسالة:
الحمدُ للهِ ذِي الفَضْلِ والإحْسَان ، شرعَ لعبادِه هِجْرةَ القُلوبِ وهِجْرةَ الأَبْدَان ، وجَعَلَ هاتين الهِجْرَتين باقِيَتَيْنِ على مَرِّ الزَّمان.

وأشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلا الله ، وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَه ، وعدَ المُهَاجِرين إليهِ أجْرَاً عَظِيماً ، قَالَ تَعَالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ ، وقالَ تَعَالى : ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ، وقَالَ تَعَالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ* إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾.

وأشْهَدُ أنَّ محمداً عَبْدُه ورسُولُه ، هَاجرَ إلى رَبِّه فأوَاه وحَمَاه ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومَ أن قَال : (لاَ تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ ، وَلاَ تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا)، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، وعلى آلِه وأصْحَابِه الذين هَاجَرُوا وجَاهَدُوا في سَبِيلِ الله ، حتَّى فَتَحُوا القُلوبَ والبُلْدَان ، ونَشَرُوا العدلَ والإيمانَ والإحْسَان.

أما بعد: أيها المسلمون، أيها اللبنانيون: "مع حُلولِ كُلِّ عامٍ هجريٍّ جَدِيد ، يقفُ المسلمونَ في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها مُحْتَفِينَ بعامٍ هجريٍّ جديد، ومُسْتَذْكِرين أحداثَ الهِجْرِةِ النَبَوِيَّةِ الشَّرِيفَة، التي تَسْتَحِقُّ الوَقْفَةَ المُتَأَنِّيَة، لأَنَّها كَانتْ في حَقِيقَتِها، حَدَثاً بالغَ الأهميةِ في تَارِيخِ وحَياةِ العربِ والمسلمين، وَهيَ لَم تَكُنْ سَفَرَاً وانْتِقَالاً لِتَحْصِيلِ مُتَعِ الدُّنْيَا ومَلَذَّاتِهَا، وإنما كانتْ انْتِقَالاً مِنْ أَجْلِ الحِفَاظِ على العقيدة، وتضحيةً كُبْرَى على حِسَابِ النَّفْسِ والمَالِ والأهْلِ والوَلَد، مِنْ أجلِ العَقِيدة، فهيَ تَبْدَأُ من أَجْلِ العَقِيدة، وغَايتُها العَقِيدة، وفِيهَا الإصرارُ على اتِّبَاعِ الحقِّ، والدَّعوةِ إلى نَهْجِ الهُدَى والرَّشَاد.

لقَدْ قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنذُ بَعثَتِهِ بِمَكَّة، قُرَابَةَ الثلاثةَ عَشَرَ عاماً، دَاعِياً لِلوَحْدَانِيَّةِ والاسْتِقَامَةِ الخُلُقِيَّة، والانْضِمَامِ إلى رَكْبِ وَحْدَةِ الدِّينِ الذي دَعَا إليهِ وَإليها، أبو الأنبياءِ إبراهيمُ عليهِ السَّلام، الذي بَنَى البَيتَ العَتِيقَ مَعَ ابْنِهِ إسماعيلَ بِمَكَّةَ المُكَرَّمَة. ولذلك ، فإنَّ العَرَبَ الذين كانوا يَحُجُّونَ إلى البيتِ، هُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِالبقَاءِ على دَعوَةِ إبراهيمَ وَدِيَانَتِه. فَبِبَرَكَةِ دَعوَةِ إبراهيم، اِسْتَقَامَ لِقُرَيشٍ الأمْر، وَصَنَعُوا الإيلافَ الذي ذَكَّرَهُمُ القرآنُ الكريمُ بِه، قَالَ تَعَالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾.

نَحنُ عَائدونَ مِنَ الحَجِّ إلى البَيْتِ الذي بِناهُ إِبراهيمُ وَإِسماعيل، وَحَوَّلَ تِلكَ النَّوَاحِيَ الصَّحرَاوِيَّةَ الجَردَاءَ إلى وَاحَةٍ مُزدَهِرةٍ لِلخيرِ والائتلافِ والنَّمَاء. بَعدَ قُرونٍ تَنَكَّرَ المَكِّيُّونَ لِكُلَّ ذلك ، فَأَرسَلَ إِليهِمْ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مُحمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإعَادَتِهِمْ إلى السَّبِيلِ المُستَقِيم، سَبيلِ إِبرَاهِيمَ الخَليل عليهِ السَّلام .

لقد حاولَ رسولُ اللهِ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليه، وَطَوَالَ قُرَابةِ الثلاثَةَ عَشَرَ عاماً مِنْ دَعوَتِهِ بمكّة، أنْ يُبشِّرَ بني قومِهِ ويُنذِرَهُم، فَمَا آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيل. بَيدَ أنَّ هذا الإعْرَاض، ما اقتصَرَ على عَدَمِ الإيمانِ والاتِّبَاع، بل إنَّ سادةَ قُريشٍ عَمَدُوا إلى اضطِهادِ أولئكَ الذين أصْغَوا إلى دَعوَةِ الحق. وما تَزَالُ صَرَخَاتُ سُمَيَّةَ وبلالٍ وعَمَّارٍ تَحتَ التعذيب، ماضيةً عَبْرَ الزَّمَان، ويُشيرُ إلى ذاك الثَبَاتُ الذي يَهَبُهُ الإيمَان، وتلكَ الطُمَأنِينَةُ الوَادِعَة، التي يَنْفُخُ في جَنَباتِها اليقينُ بوعدِ اللهِ للمُؤمنين الصَادِقِين، وَوَعيدِه للجَبَّارين والمُتكبِّرين. قَالَ صَلواتُ اللهِ وسلامُه عليه، وقد حاوَلوا إغراءَه بعدَ الوَعِيد: (واللهِ لو وَضَعُوا الشَّمسَ في يَميني ، والقمرَ في يَسَاري، على أنْ أترُكَ هذا الأمرَ ما فَعَلْت). فتَعَالتْ قُريشٌ على بني عبدِ المُطَّلِبِ وعَزَلَتْهُم، وحاصَرَتْهُم في الشِّعْبِ ثلاثَ سِنين، حتى أكلوا وَرَقَ الشَّجَر، وما ذَلّوا ولا استَكَانوا. ثم أمرَ رسولُ اللهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الذينَ لا يَستطيعون الدِّفاعَ عَنْ أنفُسِهِمْ مِنَ المُؤمنين، بالهِجرةِ إلى الحَبَشَة، وقال لهم: (إنَّ فيها مَلِكاً لا يُظلَمُ عِندَهُ أَحَد). وخَشِيَتْ قُريشٌ أنْ تَنتَشِرَ الدَّعوَةُ بهذهِ الطَّريقةِ خارِجَ مَكّة، فأرسَلتْ رُسُلَهَا إلى النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشةِ المَسِيحي، لِيَطرُدَ المُسْلِمينَ مِنْ عِندِه وقد زَعَمَ رَسُولا قُريشٍ أنَّ هؤلاءِ اللاجئينَ عِندَه والطَّالبينَ الحِمَايَةَ والعَيشَ مُوقَّتاً في جِوَارِه، هُمْ ضِدُّ دَعوةِ عيسى عليهِ السَّلام، فقرأَ جَعفرُ بْنُ أبي طَالِب، اِبْنُ عَمِّ النبيِّ على المَلِكِ صَدْرَاً مِنْ سُورةِ مريم، فتأثَّرَ النَّجَاشِيُّ وقال: (إنَّ هذا ، ومَا أَتَى بِه عيسى ، لَيَخرُجُ مِنْ مِشكاةٍ واحدة). وأبى أنْ يَطرُدَ الآتِينَ إليهِ هَرَبَاً مِنَ الاضْطِهادِ بِسَبَبِ إيمانِهم، وأصبحَ المسيحيون في أرضِ الحبشةِ، أولَ أصدقاءِ الدعوةِ الجَدِيدَة، وأوَّلَ أصدقاءِ أهلِها.

ثمَّ انطلقَ رَسولُ اللهِ بِصُحْبَةِ أبي بكر، يَقْصِدُ العَربَ في مواسِمِهِم، فَيَدْعوهُمْ إلى مائدةِ الحَقِّ والصِّدق. وَمضَى إلى الطَّائف، فلم يَأْبَهْ لَهُ وُجَهَاؤُها، لِأنَّهم كانوا يَعرِفُونَ مِنْ قُريشٍ أنَّ محمداً ليس مَلِكَاً ولا جَبَّاراً، وإنما هو ابنُ امْرأةٍ مِنْ قُريشٍ كانتْ تأكُلُ القَدِيدَ بمكة، وتَبِعَهُ سُفهاؤُهم وغِلمَانُهم يَسخَرُونَ منه، فَخَرَجَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الطَّائِف، وذَكَرَ اسْتِغَاثَتَهُ المَشْهُورَةِ بِوَجْهِ اللهِ الذي أضاءَتْ لهُ السَّمَواتُ والأرض، أنْ لا يَكِلَهُ إلى العَدُوِّ أو الشَّانِئ، وقال: (إنْ لمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عليَّ فلا أُبالي).

هذه أطرافٌ مِمَّا عاناه رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في سنواتِ دَعْوَتِه الأُولَى. ولِذَلك فَقَدْ رَجَا عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أنْ يَجِدَ في الهِجرةِ إلى يَثرِبَ فَرَجَاً ومَخرَجَاً. فَقَدْ كانَ بينَ خِيارَيْنِ أحلاهُما مُرّ: أنْ يَبقَى بمَكَّةَ مَعَ الذين آمنوا بِدعوتِه، مُتَحَمِّلِينَ سَفَاهَةَ السُّفَهاء، وشَمَاتَةَ الأعداء، أو أنْ يَخرُجَ مِنْ وَطَنِهِ مِنْ أجلِ الدَّعوةِ والفُرَصِ الأفضلِ لِنَجَاحِها. وقد رأى أنَّ تِلكَ الفُرَصَ مُمْكِنةٌ، بعدَ التقائهِ بِجمَاعَاتٍ مِنْ أهلِ يَثرِب، دَعَاهُمْ إلى الإيمانِ فاسْتَجَابُوا، وَدَعَوْهُ إلى بَلْدَتِهِم. فَخَرَجَ عليهِ الصَلاةُ والسَّلامُ إلى يَثرِبَ سِرّاً، يَصْحَبُهُ أبو بكرٍ الصِّدِّيق، بَعدَ أنْ كانَ قد طَلَبَ مِنْ أصحَابِهِ خِلالَ عامٍ أنْ يَخرُجُوا قَبْلَهُ مُتَفَرِّقِين، حتى لا تَرُدَّهُمْ قُريش.

لقد تَحمَّلَ عليه الصَلاةُ والسَّلامُ مَشَقَّاتِ مُغَادَرَةِ البيتِ الوَادِع، والحَرَمِ الذي نشَأَ على الطَّوافِ بِهِ ومِنْ حَولِه. وفي كلِّ ذلكَ مَسؤوليَّاتٌ هائلة، لكنَّها هانَتْ عليه وعلى مِئاتِ المُؤمنين، مِنْ أجلِ صَوْنِ إيمانِهم، وَفَتحِ آفاقٍ أُخْرَى لِلدَّعوةِ والدِّين.

نَعَم أَيُّهَا المُسْلِمون: نحن نَتَذَكَّرُ الهِجْرَة، بِاعْتِبَارِهَا تَجْرِبَةَ نَجَاح. لكنّهَا كَانَتْ أيضاً تَجْرِبَةَ نِضَال، عَانَى خِلالَهَا المُسلِمُونَ مِنَ الاضْطِهَادِ وَالقَتْل، وَمُغَادَرَةِ الدِّيَار، لقد كانوا بَينَ أَحَدِ أَمْرَين: إِمَّا تَرْكُ الدِّين، أو مُغَادَرَةُ الدِّيار. وَقَدِ اخْتَارُوا الإِصْرَارَ على دِينِهِم وَإيمَانِهِم، مُقتَدِينَ بِرَسُولِهِمْ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عليه، عِندَمَا قال: (وَاللهِ لَو وَضَعْتُمُ الشَّمْسَ في يَمِينِي، وَالقَمَرَ في يَسَارِي، عَلى أَنْ أَتْرُكَ هذا الأَمْر، مَا فَعَلْت، أَو أَهْلِكَ دُونَه). لكنَّهُمْ في هذا الخِيَارِ الوَاعِي، كَسَبُوا الأَمْرَينِ مَعاً: كَسَبُوا حُرِّيَّتَهُمُ الدِّينِيَّة، وَكَسَبُوا أيضاً أَوطَانَهُمْ بِالعَودَةِ إلى مَكَّةَ المُكَرَّمَة، أَحْرَاراً وَمُتَعَالِينَ عَنِ الاضْطِهَاد، أَو مُلاحَقَةِ خُصُومِهِمُ السَّابِقِين، فالهِجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ إذاً تُعطِينَا هَذَينِ المِثَالَين: أَنَّ التَّمَسُّكَ بِالحُرِّيَّة ، يُكْسِبُنَا الدَّولَةَ الحُرَّةَ وَالقَوِيَّة، كَمَا أنَّهُ يُكْسِبُنَا الدَّارَ وَالوَطَن، وَالعَيشَ المُشتَرَك، بَعِيداً من الاسْتِقْوَاءِ وَالافْتِرَاءِ وَالاسْتِئْثَار.

عندما كان نَبِيُّنَا وَرَسُولُنا وَقُدْوَتُنَا مُحمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الذي نَفْتَخِرُ بهِ ونعتز، يُقِيمُ الدَّولَةَ الجَدِيدَة، مَا اسْتَبِعَدَ أحداً، وَلا تَحَدَّى قَرَارَ أَحَدٍ أَو حُرِّيَّتَه. وَمَا اسْتَعْمَلُوا وَقْتَهَا مُصْطَلَحَ العَيشِ المُشْتَرَك، بَلْ سَمَّوُا الدَّارَ الجَدِيدَة، دَارَ الجَمَاعَة، وَدَارَ العَهْد، وَدَارَ العَقْد، وَدَارَ الأُمَّةِ الوَاحِدَة. وَلا مَعْنَى لِذَلِك، إِلا مَا نُسَمِّيهِ اليَوم، العَيشَ المُشْتَرَك. بَلْ إِنَّ كُلَّ البَاحِثِينَ الغَربِيِّينَ وَالمُسْلِمِين، سَمَّوا كِتَابَ المَدِينَةِ أو صَحِيفَتَهَا دُستُوراً. وَهُوَ دُستُورٌ لِلاعْتِرَافِ بِالجَمَاعَاتِ المُخْتَلِفَة، المُشَارِكَةِ في العَقْدِ وَالعَهْد، وَلِتَنْظِيمِ التَّعَامُلِ فِي مَا بَينَهَا بِالقِسْطِ وَالإنْصَاف، وَالعَدْلِ وَرُوحِ المحبةِ والتَّسَامُح.

إنَّ الهِجْرِةَ النَبَوِيَّةَ الشَّرِيفَة ، تَقَعُ في وَعْيِ المُسْلِمِين، بَينَ ثَلاثَةِ اعتبارات: اِستِمرَارُ الكِفَاحِ مِنْ أَجلِ حُرِّيَّةِ الدَّعوَة، وَحُرِّيَّةِ القَولِ وَالعَمَل، وَمُغَادَرَةُ الدَّارِ وَالمَوْطِن، مِنْ أَجْلِ إِحقَاقِ ذَلِك وَالسَّعْيِ لِإقامَةِ (الأُمَّةِ مِن دُونِ النَّاس) التي أَعْلَنَ عَنهَا رَسُولُ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عليه، في كِتَابِ المَدِينَةِ بَعدَ الهِجرَةِ مُبَاشَرةً. والاعتبارُ الثَّالِث: الاقتِدَاءُ بِتَجْرِبَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في إِقَامَةِ الدَّولَةِ الجَامِعَةِ والقَوِيِّةِ والمُتَمَاسِكَة، برغمَ الاخْتِلافِ الدِّينِيِّ وَالاجتِمَاعِيِّ وَالسِّيَاسِيّ، وَتُؤَسِّسُ وُجُودَها وَقَرَارَاتِهَا على التَّعَاقُدِ الذي يُشْرِكُ الجَمِيع، وَلا يَسْتَثْنِي فَرِيقاً أو أحداً إذا كَانَ مُوَافِقاً على المُشَارَكَة.

أيها اللبنانيون: إنَّ الدولةَ التي تُحاولُ السلطاتُ اللبنانية اليوم استعادةَ أركانها، وتطبيقَ دستورها هي الدولة الوطنيَّة اللبنانيَّة التي لا حياةَ للوطن بدونها، وقد مضت علينا عقودٌ وعقودٌ ونحن نناضلُ مِن أجلِ استعادتها لجميعِ المواطنين، ومع جميعِ المواطنين، وهو الأمرُ الذي أعلنَ عنه رئيسُ الجمهورية اللبنانية في خطابِ القسم، وأعلنت عنه الحكومةُ القائمُة في سائرِ بياناتها وتصرفاتها. هي الدولةُ الواحدةُ للشعبِ الواحد، التي لديها جيشٌ واحد، وتتمتعُ بالسيادةِ، ويسودها مبدأُ فصلِ السلطاتِ وتعاونها.

إن ترسيخَ مفهومَ الدولةِ مدعوم من الأشقاءِ والأصدقاء، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية الحريصةُ على أمنِ وسلامةِ واستقرار لبنان، والنهوضِ بالدولةِ ومؤسساتها، وتعزيزِ وحدةِ اللبنانيين.

نحن نواجهُ تحدياتٍ كبرى للدولةِ والوطنِ والمواطنين. كنَّا نُعاني الوجودَ العسكريَّ والسياسيَّ وغلبةَ السِّلاح. وقد زاد تحدي السلاح للدولة والاستقرار، وأُضيف إليه تحديان لمنع قيام الدولة، وهما صراع إسرائيل وإيران على الأرضِ، والسيادةِ واستقرارِ الوطنِ وعمرانه، وعيشِ المواطنين فيه. الخراب يسري ويتمدَّد في سائر الأنحاء. ولذلك اختارت السُّلطاتُ التفاوضَ للخروج من المأزق، إذ لا سبيل غيرُه لوقفِ القتل والتخريبِ والتدميرِ والتهجير.

أيها المسلمون، أيها اللبنانيون: ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فكان بين أوائل أفعاله المؤاخاةُ بين المهاجرين والأنصار. وها هم مواطنونا وإخواننا يعانون التَّهجيرَ القَسرِيَّ تحت تهديد الموت، وقد غُصَّت مدنُنا بالأُسَرِ المُهجّرة، وقد ضاق بهِمُ البعضُ ذَرعاً. ولا شكَّ في أنَّ حكمة المسؤولين وصبرَهم كفيلان بتبريد الأجواء. فهم مواطنون مثلنا، وهم إخوة، وما تركوا ديارهم مختارين ولا راضين، فلا بدَّ من تجديد عَقدِ المودَّةِ والأخُوَّةِ والمَعروفِ الذي لا يتبدَّل ولا يتخلَّفُ مهما كانت الظروف صعبة.

ووسط هذا الزِّحامِ الشَّدِيدِ والأَمزِجَةِ الفائرة، لا تحتاجُ بيروتُ إلى المزيد من سلاحِ الفتنةِ والسلاحِ خارجِ إطارِ الدولة. ما حدثَ في عائشة بكار بجوارِ دار الفتوى لا يُمكنُ قَبولُه، وهو يدلُّ على أنَّ للفتنة أبواباً وليس باباً واحدً، وقد أصبحَ ما حدثَ في عهدةِ القوى الأمنيةِ والسلطةِ القضائية. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَن حَمَلَ علينا السِّلاحَ فليسَ مِنَّا) . فاللهُمَّ ارفعِ السِّلاحَ عنَّا وعَن لبنانَ كُلِّه لِيعودَ آمناً كما كان.

أيها المسلمون، أيها اللبنانيون: ذكرى الهجرة في هذه الظروف هي ذكرى مؤلمة. فرُبُع سكَّان الوطن مُهجَّرون، ورُبُعُهُمُ الآخَرُ جائعون. والأزمة تتفاقم حرباً ومعيشة. وما بقي لنا غيرُ أمرين اثنين: التضامن في ما بيننا، والوقوف وراء سلطاتنا ومعها في مساعيها الحثيثة، من أجل استعادة السِّلم والأرض. سُرِرنا كثيراً بافتتاح مطار القليعات بعكار، فالمنطقة تعاني حرماناً كبيراً، وهذا المشروع هو مشروع تنموِيٌّ كبير. ونحن مؤمنون أنَّ الجنوب بسلامه وعزته وعمرانه راجع إلى حضن الدولة وأمنها، فحتى رسول الله صلى الله عليه وسلم اختار صُلحَ الحُدَيبِيَةِ، ونحن قد أعدنا إعمار الجنوب مراراً، وسنقوم بذلك هذه المرة أيضاً.

الهجرة درس صعب لا يلجأ إليها الإنسان إلا مضطراً أو محتاجاً، فيا رسول الله في ذكرى هجرتك نتعلَّم منك الثَّبات والوفاء للوطن والدولة، فقد عدت إلى مكة مناديًا: لا هجرة بعد الفتح، إنَّه بلاء سنخرج منه عاجلًا، وهو درس لن ننساه .

لنْ يَخْمَدَ الأَمَلُ بِالإمَكَاناتِ الوَطَنِيَّةِ الكَبيرَة، كمَا لن يَخْمَدَ الأملُ بِعَزَائمِ اللبنانيينَ وَعَيشِهِمُ المُشترَك، وَلا بِقُدرَتِهِمْ على التَّوَافُقِ وَالتَّضَامُنِ في خِدمَةِ وَطَنِهِم. هكذا عَلَّمَتْنَا الأَيَّامُ وَالشَّدَائِد: أنْ يَتَلاقَى اللبنانيونَ في الأَزَمَات، وَأنْ يَتَضَامَنُوا، وأنْ يُبَادِرُوا، وأنْ يُحَوِّلُوا المَآزِقَ والأزمات، إلى فُرَصٍ وحلولٍ ومعالجات. وهذا هُوَ الدَّرسُ الذي تَعَلَّمْنَاهُ مِنَ القرآنِ الكريمِ وَمِنَ النَّبِيّ المصطفى صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليه. ففي القرآنِ الكريم، قَالَ تَعَالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾. وفي الحديثِ النَّبَوِيّ : (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم : (إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ – نبتةُ النخيل -، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لاَ تَقُومَ السَّاعَةُ حَتَّى يَغْرِسَهَا ، فَلْيَغْرِسْهَا).

عليكَ صَلوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ يا رَسُولَ الله، وَجَزَاكَ أَحسَنَ مَا يُجزَى نَبِيٌّ عَنْ أُمَّتِه، فَقَد َأَدَّيْتَ الرِّسَالَة وحَمَلْتَ الأَمَانَة، وَبَادَرْتَ إلى الأُمَّةِ وَالدَّولة، وَالمُجتَمَعِ السَّمْحِ، والأخلاقِ العالية. سلامُ اللهِ عليكَ في مَولِدِكَ وَبَعثَتِك، وَهِجرَتِكَ وَسِلْمِك، وَمَحَبَّتِكَ وَحَيَاتِكَ وَمَوتِك، قَالَ تَعَالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾. صدقَ اللهُ العظيم. وكلُّ عامٍ هجريٍ وأنتم بخير".
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا