جاء التصعيد العسكري الأخير بين
إيران وإسرائيل في لحظة سياسية حساسة، بالتزامن مع مفاوضات معقدة وغير مباشرة تدور بين طهران وواشنطن عبر وسطاء إقليميين ودوليين. هذه المفاوضات لا تقتصر على الملف النووي فحسب، بل تتناول مجموعة واسعة من
القضايا المتشابكة، وفي مقدمتها مستقبل الحرب في
لبنان ، وآليات تثبيت وقف إطلاق النار، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، ومصير الأرصدة الإيرانية المجمدة في الخارج، إضافة إلى ملف اليورانيوم المخصب.
وبحسب المعطيات المتداولة، رفضت طهران ربط الإفراج عن أموالها المجمدة بأي شروط سياسية جديدة، معتبرة أن هذه الأموال حق سيادي لا يمكن إدخاله في إطار المقايضة السياسية. كما تمسكت بربط أي تفاهم شامل بإنهاء الحرب في لبنان ووضع جدول زمني واضح للانسحاب
الإسرائيلي من الأراضي
اللبنانية المحتلة، في وقت أبدت فيه تحفظات على بعض الطروحات الأميركية المتعلقة بحرية الملاحة في مضيق هرمز من دون ضوابط أو تفاهمات متبادلة.
في هذا السياق، يبرز سؤال أساسي: لماذا تأخرت إيران في التدخل العسكري المباشر لمؤازرة
حزب الله رغم استمرار التصعيد الإسرائيلي في لبنان ؟
السبب الأول يعود ، بحسب مصادر الثنائي الشيعي، إلى إدراك القيادة الإيرانية أن مسار التفاوض مع
الولايات المتحدة بلغ مرحلة متقدمة، وأن التسوية أصبحت أقرب إلى النضوج السياسي، ولم يبقَ سوى الاتفاق على بعض التفاصيل. ويكتسب هذا التقدير أهمية إضافية مع الحديث عن زيارة وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران حاملاً رسالة سياسية الى المرشد الايراني مجتبى خامنئي، في إطار جهود إحياء المفاوضات المتعثرة، ما يعكس استمرار قنوات التواصل الإقليمية والدولية حول الملف الإيراني.
أما السبب الثاني فيرتبط بالوضع السياسي داخل الولايات المتحدة. فالتطورات الأخيرة أظهرت تنامي الاعتراضات داخل المؤسسات الأميركية على أي انخراط عسكري واسع ضد إيران، وهو ما عزز القناعة الإيرانية، بحسب المصادر نفسها، بأن إدارة الرئيس الأميركي
دونالد ترامب تواجه قيوداً سياسية داخلية تجعلها أقل قدرة على الذهاب نحو مواجهة شاملة حيث اتخذ مجلس النواب
الاميركي قرارا يأمر بإنهاء الحرب على إيران وسحب القوات الاميركية، وصوت المجلس بأغلبية 215 صوتا مقابل 208، بعدما انضم 4 جمهوريين إلى الديمقراطيين في التصويت لصالح القرار.
السبب الثالث يتصل بالواقع الميداني في جنوب لبنان. فالتصعيد الإسرائيلي بلغ مستويات اعتبرتها طهران، بحسب المصادر، شديدة الخطورة، وباتت التطورات الميدانية تمس بصورة مباشرة التوازنات في الساحة اللبنانية، الأمر الذي فرض إعادة تقييم لمستوى التدخل المطلوب، فالاسرائيلي وصل الى محافظة النبطية.
أما السبب الرابع، وربما الأهم، فيتمثل، بحسب المصادر نفسها، في أن إدارة ترامب كانت تحاول الفصل بين المسار اللبناني والمسار الإيراني، والتعامل مع كل ملف على حدة. غير أن الضربة الإيرانية الأخيرة ضد
إسرائيل أعادت الربط بين الملفين وفرضت عملياً معادلة جديدة على مختلف الأطراف، بما فيها واشنطن نفسها، مفادها أن استقرار الجبهة اللبنانية لا يمكن فصله عن التفاهمات الإقليمية الأوسع مع إيران.
ومن هذا المنطلق، يقرأ الموقف الأميركي الأخير للرئيس الاميركي دونالد ترامي، بحسب مصادر الثنائي الشيعي، باعتباره مؤشراً على صحة التقديرات الإيرانية. فالتقارير المتداولة تحدثت عن عدم حماسة ترامب لتوسيع دائرة التصعيد، وعن امتعاضه من بعض الخطوات الميدانية التي قد تؤدي إلى تفجير الوضع الإقليمي. كما أن الرواية التي تحدثت عن تنسيق أميركي كامل مع الضربة
الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت نفاها ترامب وقال "إنه لم يكن سعيداً بالضربات على الضاحية"، في مقابل مؤشرات تفيد بأن واشنطن ما زالت تفضّل العودة إلى مسار التفاهمات السياسية.
لكن يبقى السؤال الأهم: إلى أي مدى تستطيع إسرائيل الذهاب الى الرد والتصعيد ضد إيران من دون غطاء أو تنسيق أميركي كامل؟
الوقائع الحالية تشير، كما تقول المصادر نفسها، إلى أن هامش الحركة الإسرائيلية يبقى محدوداً في غياب قرار أميركي بالمواجهة الشاملة. ولذلك تبدو احتمالات توجيه ضربات موضعية وغارات المحدودة أكثر واقعية من سيناريو عودة الحرب .
في المقابل، يظهر أن الخطاب الإيراني نفسه شهد تطوراً لافتاً. فبعدما كانت طهران تركز على معادلة "الضاحية مقابل مستوطنات
الشمال "، باتت تتحدث بصورة أكثر وضوحاً عن ضرورة الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان باعتباره جزءاً أساسياً من أي تفاهم مستقبلي حيث جاء بيان قائد مقر خاتم الأنبياء، اللواء
علي عبد اللهي، ليعكس هذا التوجه، إذ ربط بوضوح بين استمرار الهجمات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية وجنوب لبنان وبين احتمال توسيع دائرة الرد الإيراني ضد أهداف داخل إسرائيل، مع التهديد بتصعيد أكبر في حال توسعت العمليات العسكرية.
انطلاقاً من كل هذه المعطيات، تبدو فرضية أن التصعيد الحالي يشكل مدخلاً إلى التسوية أكثر واقعية من أي وقت مضى. فالتاريخ السياسي للمنطقة يظهر أن كثيراً من التسويات الكبرى سبقتها جولات من التصعيد هدفت إلى تحسين شروط التفاوض ورفع سقف الأوراق التفاوضية قبل الوصول إلى الاتفاق النهائي.
وعليه، فإن احتمال التوصل إلى وقف إطلاق نار شامل في لبنان بات، كما تؤكد المصادر نفسها، فرضية جدية ، وإن كان ملف الانسحاب الإسرائيلي سيبقى خاضعاً لمفاوضات معقدة وتفاهمات أمنية وسياسية تتجاوز الساحة اللبنانية وحدها.
وفي هذا الإطار، يكتسب الإعلان الأميركي عن تحديد 22 حزيران موعداً لجولة جديدة من المحادثات بين لبنان وإسرائيل أهمية خاصة، باعتباره مؤشراً إلى أن المسار الدبلوماسي لن يتوقف رغم التصعيد العسكري، بل ربما يتحرك المسار بوتيرة أسرع مع تنامي الدفع الأميركي لانجاحه .
وبين مسار إسلام آباد ومسار واشنطن، تبدو خيوط التسوية مترابطة أكثر من أي وقت مضى، فيما تتزايد التقديرات بأن ما يجري اليوم قد يكون جزءاً من عملية ضغط متبادل تهدف في النهاية إلى تسريع الوصول إلى تفاهمات إقليمية أوسع تشمل الولايات المتحدة وإيران ولبنان وإسرائيل في آن واحد.