كتب ناصيف حتي في "الشرق الاوسط":
عشية بدء المفاوضات
اللبنانية
الإسرائيلية برعاية أميركية كلية، ونضيف "هندسة" أميركية لإطلاق وإدارة مسار تلك المفاوضات، كان
لبنان يقف أمام احتمالات ثلاثة، في إطار وضع ضاغط على الأرض مع التصعيد العمودي (في القوة النارية) والأفقي (مع تمديد الحرب الإسرائيلية في الجغرافيا اللبنانية).
أول هذه الاحتمالات تحوُّل ما أشرنا إليه إلى حرب استنزاف مستمرة تستقر كسمة حاكمة أو ناظمة لإدارة الصراع العسكري المتفجر والمفتوح. صراع قد يشهد تصعيداً وتخفيضاً وهدناً بأشكال وصيغ مختلفة، تبقى هشة وقابلة للسقوط والعودة لتنظم أو تحتوي الحرب الدائرة، وتكون بمثابة ما يعرف باستراحة المحارب، وهي قابلة للانزلاق نحو حرب مفتوحة.
ويصبح لبنان في هذا السيناريو بمثابة القضية المنسية باستثناء دبلوماسية الدعوات والمناشدات غير الفاعلة أو المؤثرة على هامش هذا الوضع من أكبر مخاطر هذا السيناريو أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي في لبنان لم يعد قادراً على التحمل ومقاومة حرب من هذا النوع، ما يدفع لانهيارات عديدة ومتتابعة على الأصعدة كافة في المجتمع وفي الدولة. يدفع ذلك لتحول لبنان إلى نموذج صارخ فيما يعرف بالدولة الفاشلة.
ثاني هذه الاحتمالات يكون عن طريق وقف الانهيار أو احتوائه من خلال إيجاد صيغة عملية تقوم على تفاهم بين الأطراف المتصارعة حول لبنان. تفاهم يترجم إلى تعايش سياسي وتقاسم جبنة النفوذ بشكل مباشر أو عبر حلفائها، الأمر الذي يشكل ضغطاً أيضاً على
إسرائيل للدخول بشكل غير مباشر في قبول صيغة التفاهم السياسي بين الأطراف المتصارعة على النفوذ في لبنان طالما أن مصالحها الأمنية مأخوذة بالاعتبار.
ثالث هذه السيناريوهات كان التوجه نحو المفاوضات المباشرة برعاية أميركية كلية، وكخيار وحيد ممكن، رغم التحديات التي تواجه هذا المسار، الأمر الذي يستدعي أيضاً من لبنان في موازاة هذا المسار أن يعمل على تعزيز اتصالاته في هذا الخصوص مع
الدول العربية والصديقة بما يخدم الأهداف اللبنانية في مسار المفاوضات. يندرج هذا السيناريو في سياق العودة إلى الدولة في لبنان، الأمر الذي يلاقي دعماً واسعاً في المجتمع اللبناني. مسار ليس بالسهل التقدم فيه بشكل سريع على أرض الواقع الفعلي والعملي؛ فأمامه العديد من التحديات المختلفة التي تعكس طبيعة وموازين الصراع مع إسرائيل، وهي تحديات تجذرت واستقرت مع الزمن في الواقع والممارسة.
وتأتي عملية استعادة لبنان من دور الورقة التفاوضية في لعبة الأمم في الإقليم، ولو باسم عناوين وشعارات كبيرة ورنانة عند هذا الطرف أو ذاك، كلٌّ في مرحلة معينة، إلى دور الدولة لتشكل تحدياً أساسياً أمام عودة الدولة إلى دورها الطبيعي في جميع مجالات المسؤوليات الوطنية. وبالطبع من أهم هذه المسؤوليات أو التحديات التفاوض الفعلي، وليس الشكلي، في
القضايا التي تتعلق بالأمن الوطني بكل جوانبه وأبعاده، كما هو حاصل.
ولا يمكن أن نغفل التحديات الجمة لهذا المسار في إطار الصراع مع إسرائيل بغية أولاً وقف إطلاق النار الكلي، ومن ثم التعامل بنجاح وفاعلية مع الصيغ المقترحة، وانسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان، والتأكيد على مرجعية اتفاقية الهدنة لعام 1949، التي رسمت على الحدود الدولية المعترف بها للبنان، مع ضرورة تثبيت هذه الحدود بسبب وجود بعض النقاط الخلافية.
إن المقاربة اللبنانية تقوم على منطق تدرجي، مترابط وواقعي قوامه - قبل الحديث عن السلام - إنهاء الاحتلال
الإسرائيلي كلياً وإمساك قرار الحرب والسلم من السلطات اللبنانية المعنية، مع التذكير دائماً بأن لبنان يلتزم بمبادرة السلام العربية التي أقرت في
بيروت عام 2002، بشأن السلام الشامل والدائم والعادل، الأمر الذي يساهم في توفير المزيد من الدعم، الذي يحتاج إليه لبنان من أسرته العربية.
خلاصة الأمر أن أمام لبنان تحدياً، أسميه الوجودي، لأنه لم يعد من الممكن أن يبقى لبنان في دور الساحة لحروب الآخرين، والمطلوب إعادة بناء دولة المؤسسات، الدولة الحاضنة، التي تعزز مفهوم المواطنة والوحدة الوطنية على حساب دويلات الطوائف وقوى الأمر الواقع.