آخر الأخبار

ترامب تحت الضغوط: هرمز أقوى أسلحة العالم... المباراة في منتصفها حتى ظهور القطارات

شارك

العالم في منتصف المباراة… لا صافرة نهاية، ولا حتى وقت بدل ضائع واضح. الأمنيات تدعو إلى أن تكون هذه المواجهة الأخيرة، لكن كبار المستشارين الدوليين الاستراتيجيين يحذّرون بهدوء: الحرب ستعود، ما نعيشه اليوم هو مجرد استراحة محارب تدفعها ضغوط داخلية وإقليمية، وليس حسمًا حقيقيًا. اتفاق التسوية في إسلام آباد لن ينهي الصراع (بين واشنطن و طهران )، لأن الجذور أعمق من ذلك؛ إنه صراع تجاري واقتصادي طويل بين الصين و الولايات المتحدة لم تتضح بعدُ صورته الحقيقية، ولا اتجاه صفارات قطاراتها.

في تحول لافت، خرج الرئيس الاميركي دونالد ترامب بتصريح يبدو أقرب إلى الواقعية السياسية منها إلى خطابه المعتاد: "السلام مع طهران أفضل بكثير من انتصار عسكري". عبارة تختصر مسارًا متعرجًا؛ فالرجل الذي تحدث قبل ثلاثة أشهر عن تغيير النظام الإيراني خلال "أسبوع أو اثنين"، وجد نفسه اليوم يبحث عن مخرج أقل كلفة… وأكثر قابلية للبيع إعلاميًا.

ما الذي تغيّر؟ في البداية، قرأ ترامب المشهد الإيراني بعين فنزويلية: دولة منهكة، اقتصاد منهار، نظام فاقد للشرعية، وجيش بلا أنياب حقيقية. تجربة كاراكاس ربما أغرته بفكرة "نصر سريع". لكن إيران لم تكن فنزويلا، ولم تكن يومًا كذلك. نحن أمام دولة بنت ترسانتها على مدى 47 عامًا، وتعلّمت كيف تقاتل وهي تحت العقوبات، وكيف تصمد وهي معزولة.

النتيجة؟ إيران لم تنتصر عسكريًا، لكنها انتصرت في اختبار البقاء. النظام صمد. وهذا في ميزان الشرق الأوسط… نصف نصر على الأقل.

في المقابل، خسر ترامب جزءًا من رصيده الدولي، وبدأ البحث عن "نهاية لائقة" تحفظ الهيبة الأميركية. فجأة، يتحول الرجل إلى داعية سلام، في واحدة من أكثر الانعطافات الدبلوماسية إثارة للاهتمام.

لم تواجه طهران بأوراق عسكرية فقط. لديها سلاح استراتيجي من الطراز الأول: الجغرافيا. مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل شريان الاقتصاد العالمي. ومع التلويح بباب المندب، تصبح الرسالة أوضح: إذا اختنقنا، يختنق العالم معنا.

ومع ذلك، الصورة ليست وردية في الداخل الإيراني. الاقتصاد يترنح، العملة تتراجع، والغلاء يضغط على الشارع. الدولة التي أتقنت الصمود، تحتاج اليوم إلى التنفس. وهنا تظهر مفارقة لافتة: إيران التي طالما تحدّت الخليج، باتت تحتاج إلى موانئه، والعالم الذي فرض عليها العقوبات، بدأ يهمس بضرورة رفعها.

حتى في طهران، هناك همسات تغيير. أصوات داخلية تنتقد التشدد، ورئيس مثل مسعود بزشكيان يلمّح بوضوح: "دعوا الشعب يعلم". عبارة صغيرة... لكنها ثقيلة في ميزان الأنظمة المغلقة.

إقليميًا، المزاج يتجه نحو التهدئة. الخليج يريد الاستقرار، ليس حبًا بإيران، بل حرصًا على التجارة. مضيق هرمز بالنسبة له ليس مجرد ممر، بل رئة اقتصادية.

الصين تراقب بهدوء، لأنها المستفيد الأكبر من أي استقرار يضمن تدفق الطاقة ضمن مشروع "الحزام والطريق".

أما واشنطن، فتبدو أقل تماسكًا. ترامب محاط بفريق دبلوماسي لا يرقى، وفق كثير من التقديرات، إلى مستوى التعقيد الإيراني، حيث تمتلك طهران خبرة تفاوضية طويلة ونَفَسًا استراتيجيًا. ليس صدفة أن نرى مسؤولين أميركيين يكررون التصريحات بوتيرة لافتة، وكأنهم يحاولون تعويض غموض الاستراتيجية بكثافة الكلام.

اليوم، ينتظر ترامب الرد الإيراني. وهذا في حد ذاته نقطة قوة لطهران.

في الملف النووي، لا تنازلات حقيقية حتى الآن. الجميع يتحدث عن "استراحة محارب"، قد تمتد إلى ما بعد الانتخابات الأميركية. الحسابات لم تعد عسكرية فقط، بل انتخابية أيضًا.

ترامب يواجه ضغوطًا داخلية لا يمكن تجاهلها. من كأس العالم ، الذي يتطلب أمنًا واستقرارًا وتدفقًا سلسًا للتأشيرات، إلى الاحتفال المرتقب بمرور 250 عامًا على استقلال الولايات المتحدة... حدث يريد له أن يكون استعراضًا عالميًا للهيبة الأميركية. إن حرباً مفتوحة في الشرق الأوسط لا تخدم هذه الصورة.

في الشهر الفائت، واجه ترامب ضغطاً داخلياً حقيقياً: لإنهاء الحرب مع إيران بعد تبريرات متبادلة وتراجع شعبيته وارتفاع أسعار الطاقة، واستمرار الصراع يهدد الانتخابات النصفية واقتصاده. الفيفا يمارس ضغطًا غير مباشر مع توقعات إيرادات 8.9 مليار دولار من كأس العالم 2026، تعثر المونديال قد يبدد مليارات ويضرب صورة أميركا، والتحذير صارخ ومُلح: كارثة إلغاء المونديال أو تعثره قد تكلف عشرات المليارات، ومخاطرة ترامب بها قد تتحوّل إلى كارثة سياسية واقتصادية لا يقدر على تحمّل عواقبها.

أوروبا، اليابان ، الهند ، و كوريا الجنوبية كانت جزءًا من الضغوط الخفية على ترامب لإنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز خوفاً من كارثة اقتصادية. إن إغلاقه سيرفع سعر برميل النفط إلى 150–200 دولار في أيام، ما يولّد تضخماً هائلاً يضرب النقل، الصناعة، الغذاء، والطاقة. أوروبا في ورطة حقيقية: 14% من غازها المسال من قطر عبر المضيق، فإغلاقه يحوّل ثلث الشحن العالمي إلى طرق أطول، يرفع الأسعار، يؤخر الشحنات بأسبوعين، ويطلق موجة تضخمية كبرى تضرب الجميع. هذه الدول توسّلت لترامب: أوقف الحرب قبل أن تغرق اقتصاداتهم في جحيم لا مخرج منه. لا أحد يقدر تحمل تبعاتها.

ولا يمكن تجاهل الاقتصاد ولا الانتخابات النصفية التي قد لا تسير كما يخطط الرئيس الأميركي. ببساطة، لا يريد حربًا طويلة… لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع الخروج بلا إنجاز يُحسب له.

وهنا تكمن العقدة الصعبة! كيف تنهي حربًا لم تحقق فيها نصرًا حاسمًا؟ ما نشهده ليس نهاية حرب، بل نهاية جولة. الولايات المتحدة حققت بعض أهدافها، لكنها لم تكسر إيران. الّتي بقيت، لكنها خرجت أضعف.

الصراع الحقيقي لم يُحسم بعد. إنه صراع على من يرسم خريطة الشرق الأوسط، ومن يحدد مسارات التجارة العالمية: هل هو طريق "الحزام والطريق" الصيني، أم "مبادرة البناء من أجل السلام والازدهار" التي تحاول واشنطن تشكيلها؟

العالم، ببساطة، لا يزال في منتصف المباراة. والسؤال الأهم: هل نحن أمام هدنة طويلة… أم مجرد فاصل موقت بانتظار جولة جديدة، ربما بأدوات مختلفة، الذكاء الاصطناعي، الحرب السيبرانية، أو حتى مع وجوه سياسية جديدة؟

في هذه اللعبة، اللاعبون يتغيرون… لكن الملعب يبقى نفسه.

سمر نادر -الأمم المتحدة

نيويورك

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا