آخر الأخبار

التصعيد الإسرائيلي في لبنان: محاولة لتعديل قواعد الاشتباك وفرض الوقائع

شارك

في كل مرة تقترب فيها المنطقة من استحقاق سياسي أو تفاوضي حساس، تعود إسرائيل إلى استخدام الأدوات نفسها التي اعتادت اللجوء إليها منذ عقود، وهي التصعيد العسكري لفرض شروط سياسية لم تستطع انتزاعها عبر التفاوض. لذلك فإنّ النظر إلى التصعيد الإسرائيلي الأخير في لبنان باعتباره عملية عسكرية محدودة لا يكفي لفهم أبعاده الحقيقية، فما يجري يتجاوز الحسابات الميدانية المباشرة نحو محاولة إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية المحيطة بلبنان والمنطقة.

تل أبيب تدرك أن الحرب الشاملة ليست خياراً سهلاً بلا الدعم الأميركي الكامل، لكنها في المقابل لا تريد العودة إلى حالة الاستقرار السابقة، ولا ترغب في تثبيت معادلات تمنح خصومها فرصة لإعادة تنظيم قدراتهم وترميم مواقعهم. من هنا يأتي خيار التصعيد الذي يبقي مستوى التوتر مرتفعاً ويمنع الوصول إلى الاستقرار الكامل أو توقيع الاتفاق.

الهدف الأول من الاعتداءات الإسرائيلية الواسعة، بحسب مصادر سياسية متابعة، يتمثل في تعزيز الموقع التفاوضي. فمن يجلس إلى الطاولة تحت ضغط النار تكون قد حققت جزءاً من أهدافها مسبقاً، لأنها تجعل أي نقاش سياسي أو أمني يقوم على الوقائع التي تفرضها على الأرض. وبالتالي، فإن العمليات العسكرية والاغتيالات والضربات المتكررة لا تنفصل عن المسار السياسي، بل تشكل جزءاً أساسياً منه في العقيدة الإسرائيلية.

أما الهدف الثاني، فيرتبط بمحاولة ممارسة ضغط مباشر على الدولة اللبنانية. فلبنان يعاني أزمة سياسية معقدة، واستمرار التوتر الأمني يضاعف الأعباء على مؤسسات الدولة ويزيد المخاوف داخلياً وخارجياً. ومن خلال رفع مستوى التهديد، تسعى إلى دفع السلطة الرسمية نحو تبني مواقف أقرب إلى الشروط التي تطرحها واشنطن وتل أبيب في الملفات الأمنية والعسكرية.

كذلك لا يمكن تجاهل البعد المرتبط ب حزب الله نفسه. فإسرائيل تسعى إلى استثمار المرحلة الحالية لإحداث تغيير في قواعد الاشتباك التي تشكلت خلال السنوات الماضية. هي لا تكتفي بالسعي إلى وقف إطلاق النار، بل تريد فرض واقع جديد يحد من قدرة الحزب على الحركة ويمكّنها من هامش أوسع للعمل العسكري والأمني داخل الساحة اللبنانية. لذلك فإن الضغوط العسكرية الحالية تترافق مع ضغوط سياسية ودبلوماسية تهدف إلى تحويل المكاسب الميدانية الموقتة إلى ترتيبات دائمة تحقق مصالح إسرائيل حصراً.

إلى جانب ذلك، يحمل التصعيد الإسرائيلي رسائل تتجاوز الحدود اللبنانية، فالتوقيت يتقاطع مع ملفات إقليمية متعددة، من المفاوضات الأميركية الإيرانية إلى التحولات الجارية في المنطقة. وتسعى إسرائيل دائماً إلى استخدام الساحات المحيطة بها لإرسال إشارات سياسية وأمنية بأنها ما زالت تمتلك القدرة على التأثير في مسارات التفاوض الإقليمية. وهي تدرك أن أي نجاح في فرض وقائع جديدة في لبنان يمكن أن ينعكس على ملفات أخرى تعتبرها مرتبطة بأمنها الاستراتيجي.

لكن رغم ذلك، يبقى عامل أساسي يحكم السلوك الإسرائيلي، وهو الحاجة الدائمة إلى إظهار القوة في ظل الوضع السياسي الداخلي والخسائر اليومية للجيش الإسرائيلي. ف الحكومة الإسرائيلية تواجه ضغوطاً داخلية كبيرة وتتعرض لانتقادات مستمرة بشأن نتائج الحروب والمواجهات التي خاضتها في الفترة الماضية. لذا يصبح التصعيد الخارجي أحياناً وسيلة لإعادة ترميم صورة الردع وإقناع الجمهور الإسرائيلي بأن المؤسسة العسكرية ما زالت تمسك بزمام المبادرة.

من هنا، فإن التصعيد الحالي لا يبدو معزولاً عن السياق السياسي الإقليمي ولا عن المفاوضات الجارية في أكثر من ملف. وترى المصادر أنه محاولة إسرائيلية لاستباق أي تسوية محتملة عبر فرض شروطها بالقوة، ولإعادة رسم قواعد الاشتباك بما يخدم مصالحها الأمنية والسياسية. غير أن التجارب السابقة أظهرت أن استخدام الضغط العسكري قد يفرض وقائع موقتة، لكنه لا يكفي وحده لإنتاج استقرار دائم أو لتجاوز التعقيدات العميقة التي تحكم الصراع في لبنان والمنطقة.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا