اعتبر "رئس جمعيَّة عدل ورحمة" الأب الدكتور نجيب بعقليني أنّ اقتراح قانون العفو العام هو "هجين"، ولم يأخذ في الاعتبار العواقب التي قد تترتَّب عنه سواء بالنسبة إلى نُزلاء السُّجون الذين سيشملهم قانون العفو العام أو أهالي الضحايا ، مستغربًا كيف أن المُشرعين في المجلس النيابي لم يستشيروا القضاة والمحامين والجمعيات التي تعنى بأوضاع المساجين للوقوف على الواقع الحقيقي بهدف إصدار قانون عفو عام يحافظ على حقوق السجناء وأهالي الضحايا ويحمي كرامتهم، ولافتًا إلى أن شريحة واسعة من ال لبنان يين غير راضية عنه.
وفي حديث تلفزيوني، تساءل بعقليني : "منذ آخر اقتراح لقانون العفو عام 2020، لماذا لم تُنظَّم ورش عمل وتُجرى دراسات مُعمقة لجوانب هذا الاقتراح بغية سد الثغرات وتجنب العواقب السلبية له؟ لماذا يخضع، في كل مرة، إلى المصالح الفئوية والسياسية والمناطقية وإرضاء الناخبين، تحت ستار تخفيف الاكتظاظ؟ أما معالجة القضايا الخطيرة التي تواجه السُّجون والسُّجناء وأهاليهم وتأمين حقوق أهالي الضحايا، فهي غائبة تمامًا. من هنا لدي شك في أن يستفيد منه المجتمع اللبناني".
وأشار إلى أنّ العفو العام في البلدان المتحضرة يطرح في حال اكتظاظ السُّجون، أو بمناسبة العيد الوطني للدول، أو بعد حرب أهليَّة، فيحاول الناس التصالح مع بعضهم البعض، لافتا الى أنه بالنسبة الى لبنان طرح اقتراح قانون العفو العام، في 2005, 2011، 2017، 2020 2026. اليوم خرج إلى النور مجدَّدًا لمعالجة قضية الاكتظاظ، ولأن ثمة أشخاصًا من جنسيات غير لبنانية أطلق سراحهم، وخشية أن يتسبب ذلك في قيام السجناء اللبنانيين بتحركات اجتجاجية داخل السجون ، ارتأى النواب ضرورة طرح قانون عفو عام ليشمل السجناء اللبنانيين. في سنة 2020 لم يستطع النواب الوصول إلى اتفاق، والاستثناءات ذاتها ما زالت في 2026".
أضاف: "الاكتظاظ في السُّجون، وعدم معالجة هذه المعضلة يعود إلى تقاعس المسؤولين السياسيّين والحزبيين والدينيّين... مع العِلم أنّ ثمة وسائل كثيرة لحلّ قضية الاكتظاظ، لكنها لم تعتمد لأسباب أو لأخرى، فالقضاة قصروا بحجّة أن ليس هنالك من أشخاص لنقل السجناء إلى المحاكم، وبعض المسؤولين يرفعون الصوت أن ليس هنالك إمكانيات مادية لتأمين الطعام للمساجين والاهتمام بهم".
أكد أن "المسؤوليّة المباشرة تقع على المسؤولين في الدولة والحكومة وعلى النواب في الدرجة الأولى لأنهم هم الذين يشرعون ويوافقون على الموازنات، لذلك كان على هؤلاء المسؤولين، بعد النزوح السوري في 2011 وتكاثر الجرائم ووصول الاكتظاظ إلى حدّ 300 بالمية، معالجة هذه القضية وإيجاد حلّ لها، إلى جانب مساعدة نزلاء السُّجون لا سيما أن ثمة أشخاصًا من بينهم مظلومون، لا انتظار الانتخابات لاقتراح قانون عفو عام إرضاء للناخبين".
تابع: "للأسف أصبح موضوع العفو سياسيًّا ومذهبيًّا ومناطقيًّا وحزبيًّا هدفه إرضاء شريحة من المجتمع، في المقابل هنالك شريحة أخرى كبيرة معارضة لهذا القانون. أنا لا أستطيع تسميته قانون عفو عام بل إعفاءات من الجرائم وتخفيض عقوبات. أن نتكلم عن قانون عفو عام فهذا موضوع كبير، والناس ليسوا محضرين وليس هنالك آلية لتطبيقه. اليوم، يتكلمون بالسنين المحكوم فيها الشخص وليس بالجريمة التي ارتكبها، من دون أن يتمّ درس نفسيّته ونفسيّة أهله وتحضيرهم لهكذا قرار، ووضعه الاجتماعي والاقتصادي. لذلك، نحن كـ "جمعيّة عدل ورحمة" نطرح ضرورة وضع قوانين تخوّل متابعة حثيثة لهؤلاء الأشخاص الذي سيحصلون يومًا ما على الحريّة وتأهيلًا ملزمًا لهم ومراقبة سلوكهم، لمعرفة مدى قدرتهم على الخروج والتكيُّف مع المجتمع".
أوضح أنّ "ثمة أشخاصًا يعتبرون أنهم مظلومون ويبدون استعدادهم للتغير والتجدد والعودة إلى المجتمع بطريقة مختلفة. لذلك من خلال برامجنا التأهيلية مع سائر الجمعيّات وبالتعاون مع قوى الأمن الداخلي نحاول الإصغاء إليهم ومساعدتهم ليتوبوا ويندموا ويغيروا مسلك حياتهم. لكن هنالك معضلة "الوصمة" التي تواجههم وتجعل المجتمع لا يقبلهم، ذلك أن سجلّهم العدلي يبقى بعد ثلاث سنوات حتى يتم تنظيفه، لكن الآن مع اقتراح قانون العفو العام سيكون السجل العدلي نظيفًا على الفور".
رأى أن " المشرعين لم يسمعوا إلى أهالي الضحايا ولم يستشيروا الذين يعملون في السُّجون والمسؤولين فيها. هم يحاولون تقديم حلّ لكنهم في الحقيقة يزيدون الأمور تعقيدًا. يحزُّ في قلبنا الحرقة والألم الموجودة في قلوب أهالي الضحايا، والكلمات لا تفي حزنهم وتعوض عليهم. يكفي أن نُطالب لهم بحقوقهم والتعويض المعنوي والمادي والأخلاقي لنستطيع أن نبني من خلال شهادتهم مجتمعًا سليمًا معافى من أمراضه المزمنة".
لفتَ إلى أنّ "النواب يلقون المسؤولية على تقاعس القضاء، جائحة كورونا، الأزمة الاقتصادية، الوضع المزري في السُّجون، عدم إمكانية نقل نزلاء السجن إلى المحاكم... يقولون إن الموضوع سيطر عليه الوضع العام ويريدون إيجاد مخرج لهؤلاء الأشخاص المظلومين وغير المظلومين لدواعٍ سياسية، مناطقية، حزبية، طائفية وانتخابية... بالطبع لن يخفف هذا القانون مشكلة الاكتظاظ لأنها ستعود بعد مدة نظرًا إلى تفشي الجريمة".
قال إن "بعض السُّجناء راضون عن وضعهم في السجن، لإدراكهم أن لا أحد خارج السجن يريدهم فضلًا عن أن الطعام مؤمن لهم في السجن، وفيما البعض الآخر يتوق إلى الخروج، لكنه يخشى إذا شمله قانون العفو من ثأر أهالي الضحايا. من هنا من الضروري تحضير السُّجناء ودراسة ملفاتهم ومدى استعدادهم للخروج إلى المجتمع، لذلك يفترض مرافقة هؤلاء قبل إقرار هذا القانون وبعده، من خلال تخصيص الدولة مرافقة نفسيّة واجتماعيّة وحتى اقتصاديّة عندما يخرجون من السجن ليستطيعوا الاندماج في المجتمع وتقبُّله لهم".
اعتبر أن ثمة فرقًا بين العفو وتخفيف العقوبة. "في حال تخفيض العقوبات يجب وضع شروط وآلية تنفيذية. نحن كجمعيّة نؤكد ضرورة خضوع السجين لتأهيل صارم ومراقبة سلوكه وتصرفاته كي لا يعمل انتفاضات أو يخرب أو يهشّم زملاءه الموجودين في السجن. هنالك مسيرة يجب قطعها، وعلى الدولة ليس التشريع فحسب، بل وضع آلية تنفيذية إنسانية اجتماعية تساعد نزيل السجن كي لا يضيع بسبب انتقاله بين بيئتين مختلفتين بيئة السجن، والبيئة خارجه".
كشف بعقليني أنه "كان لدى الجمعية مشروع لكن توقف، وهو التواصل مع أصحاب المهن والشركات الكبيرة لتوظيف الخارجين من السجن على أن تعفي الدولة هذه الشركات من بعض الضرائب، هكذا نكون خلقنا عملًا اقتصاديًا. هنا أود الإشارة إلى أنّ على السجناء تجار المخدرات دفع تعويض مالي هائل لأنهم ارتكبوا الجريمة عن سابق تصور وتصميم، لأنهم عملوا امبراطوريات من خلال المخدرات".
وأكد بعقليني أن "هنالك إهمالًا متعمدًا من قبل المسؤولين. نحن نتعاطى مع الجهات المانحة وهي رافضة المساهمة ببناء سجون أو تجهيزها، في المقابل تبدي استعدادها لتأمين الكهرباء والماء والأدوية وتساعد الجمعيّات كي تقوم بالعملية التأهيلية للسجناء. اليوم الموضوع ليس الاكتظاظ فقط بل هو سياسي للأسف. هنالك مظلومية تلاحق بعض نزلاء السجن، ونحن نطالب بإعادة محاكمتهم، حتى تنصفهم العدالة وينصفهم المجتمع، وآخرين متروكين، لذلك يفترض أن ننظر إلى هؤلاء الأشخاص أولًا هكذا نخفف قليلًا من الاكتظاظ".
أشار إلى أن "30 بالمئة من نزلاء السُّجون هم من السوريين، وقد خرج قسم منهم، ما دفع نزلاء السجن إلى الانتفاض بسبب إخلاء سبيل هؤلاء الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم على أرض لبنان ما خلق حالة ضغط على النواب دفعتهم إلى الإسراع في اقتراح قانون العفو العام لإرضاء منطقتهم وناخبيهم. نأمل أن نقوم بعملية بناءة تقوم على ديمقراطية صحيحة ومواطنة صحيحة، هكذا يعيش الشخص حياة سليمة ونستطيع مع الخيّرين أن نتكلم عن العدالة التصالحية ، قد يكون ذلك صعبًا، لكننا نجحنا في بعض الأوضاع أن نطبّق عدالة تصالحية وهنا دورنا كجمعية، في إرضاء أهالي الضحايا وعائلات نزلاء السُّجون ومساعدة الجميع. هذا دورنا ونتحمل مسؤوليتنا لنؤمن الراحة للشعب اللبناني قدر المستطاع".
وصف ما فعله النواب بأنه خطوة متأخرة ومتسرّعة في الوقت ذاته، وستؤدي للأسف إلى قيام هوة كبيرة بين التشريع وبين الموجودين على الأرض وبين الناس والقانون. تخفيض العقوبات موجود في القانون اللبناني والجمعيات التي تعنى بأوضاع السجون باستطاعتها تقديم شهادة عن حسن سلوك لنزلاء السجون، فضلًا عن المطالبة بحقوق أهل الضحايا الذين يجب التعويض عليهم ماديًا ومعنويًا وأخلاقيًّا. من هنا يجب النظر إلى الملف بجوانبه كافة، وتحقيق العدالة التي منها يتحقق الأمن ومن الأمن يتحقق سلام مجتمعي".
وشدّد بعقليني أن "على نزيل السجن التصالح مع نفسه مع الذي أذاهم وسبب لهم الضرر وقتل أحباءهم. لدينا جرائم مهولة للأسف لأن الأمن غير ممسوك كما يجب. من خلال الوعي والنضج والمواطنية نحافظ على القانون وعلى التشريعات، لكن أغلب اللبنانيين لا يكترثون بالقانون".
أضاف: "حاولنا منذ مدة طويلة أن نضغط لتفعيل المحكمة الموجودة في سجن رومية المركزي، ونجحنا في ذلك ما أدى إلى تسريع بعض المحاكمات. لكن في المقابل هنالك معضلة أخرى وهي أن سيارات قوى الأمن الداخلي التي تنقل السجناء إلى المحاكم معطلة ولا إمكانية لديهم لتصليحها، وقد تبرعت بعض الجهات المانحة لتصليح بعضها. فضلًا عن أن بعض السجناء في سجن رومية ارتكبوا جرائمهم في مناطق في الشمال والجنوب وبالتالي يجب نقلهم إلى مناطقهم ومحاكمتهم فيها لأن القضاة لا يستطيعون محاكمتهم في بيروت، لكن للأسف يتعذر نقلهم. هذا تعثر إداري وتخلف في تنظيم وإمكانية متابعة ملفّات نزلاء السُّجون بطريقة إنسانيّة وأخلاقيّة".
ورأى بعقليني أن "على الدولة اللبنانية تأمين كل المستلزمات في السجون بحسب قواعد نلسون مانديلا. ما زلنا نتكلم بالحقوق الأولية الأساسيّة، الأكل والطبابة، فيما يتمّ التركيز في السُّجون في العالم على الحقوق الرقمية والاقتصاديّة للسجين، أي حقه في متابعة ملفاته عبر الوسائل الرقمية. هنا أوجه نداء ملحًّا الى المسؤولين، وكلنا مسؤولون كشعب لبناني، لتحسين وضع السُّجون لأنها مرآة المجتمع، وتكمن قيمة الدولة في كيفية التعامل مع السُّجناء لديها. مجلس النواب مدعو أن يلغي عقوبة الإعدام من القوانين، لأن ذلك مطلب عالمي وقانوني. حتى عقوبة المؤبد هي إعدام مقنع، وعلينا تغيير هذه الذهنية، أي أن نحاكم الشخص بعدل ورحمة يعني أن نعطيه فرصة ونتابعه ونؤهله ونطالبه ونوعّيه ونوبّخه ونردعه... ونحن كجمعية نستطيع مساعدته ليقرأ ماضيه ويتحضر للمستقبل".
وأضاف :"نحن مدعوون للعودة إلى ذاتنا وإلى القانون وإلى الحياة الديمقراطية وليس التوافقية أو التسوية، ومدعوون لنقول نعم للحرية نعم للعدالة نعم للرحمة. علينا إعادة الذهنية الديمقراطية والمواطنة التي نفتقدها في بلادنا لنعيش بتساوٍ ويأخد كل شخص حقه، والقانون سيّد الموقف ويفصل بين الناس ويجمع بينهم ويساعد من خلال قضاء نزيه وعادل، وفي الوقت نفسه تكون إدارة الدولة في السُّجون وخارجها عادلة وقوية وتساوي بين الجميع وتعطي فرصًا للأشخاص من خلال التنمية المستدامة، وتأمين فرص العيش بكرامة".
المصدر:
النشرة