على وقع الهدنة التي تترنح تحت وطأة الخروقات ال إسرائيل ية اليومية، تكشف الوقائع الميدانية يومًا بعد آخر عن خطة إسرائيل لاحتلال الجنوب بدون اجتياح بري، في تغيير واضح في العقيدة العسكرية الاستراتيجية، وذلك من خلال التوغل البري التدريجي رغم تعثره في الكثير من المناطق توازيًا مع الغارات الجوية ، و القصف المدفعي ، والإنذارات و الإخلاءات .
ويؤكد الخبير أن المشهد الميداني في الجنوب اليوم يكشف عن تحوّل تدريجي في العقيدة العسكرية الإسرائيلية، يقوم على فرض واقع أمني دائم باستخدام القوة النارية والتكنولوجيا العسكرية، من دون الانغماس في احتلال بري مباشر عميق وطويل الأمد.
وهذا التحول لا يعكس فقط تطورًا في أدوات الحرب، بل يعبر أيضًا عن محاولة إسرائيلية لتجاوز ما يُعرف داخل المؤسسة الأمنية بـ"عقدة جنوب لبنان"، أي تجربة الاستنزاف الطويلة التي حوّلت الشريط الحدودي سابقًا إلى عبء عسكري وسياسي وإنساني مكلف.
من هنا، برزت مقاربة جديدة يمكن وصفها بـ"الاجتياح الممنهج بوسائل بديلة"–"مناطق عازلة" أو ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، عبر طريقتي الإنذارات والإخلاءات، حيث تصبح السيطرة بالنيران والضغط الديموغرافي والتدمير البنيوي أدوات لتحقيق أهداف كانت تحتاج سابقًا إلى وجود بري دائم.
في التجربة السابقة، اعتمدت إسرائيل على الاحتلال البري، أي وجود عسكري ثابت داخل الأراضي اللبنانية، مدعوم بشريط أمني وقوات مساعدة لها. إلا أن تلك التجربة انتهت بخسائر بشرية واستنزاف سياسي متواصل، ما دفع المؤسسة العسكرية لاحقًا إلى تبني عقيدة تقوم على تقليل الاحتكاك المباشر مع البيئات المعادية.
اليوم، يبدو أن إسرائيل تسعى إلى بناء نموذج مختلف: سيطرة أمنية من دون احتلال، وحضور عسكري متحرك بدل التمركز الدائم. ويتجلى ذلك من خلال الاعتماد الكثيف على الطائرات المسيّرة ، والاستهداف الجوي الدقيق، والمدفعية بعيدة المدى، وأنظمة المراقبة الإلكترونية، بما يسمح بإدارة العمليات الحدودية عن بُعد وبأقل كلفة بشرية ممكنة.
ووفقًا للخبير العسكري، فإن أحد أبرز ملامح هذه الاستراتيجية يتمثل في الاستهداف الواسع للقرى الحدودية الجنوبية، ليس فقط من منظور عسكري، بل ضمن رؤية أوسع تهدف إلى إضعاف البيئة الحاضنة ل حزب الله وإعادة تشكيل الجغرافيا السكانية للمنطقة.
فالضربات التي تطال المنازل والبنى التحتية والمساجد والأديار والكنائس والمدارس والطرقات تؤدي عمليًا إلى تحويل القرى إلى مناطق شبه مدمرة يصعب استعادة الحياة الطبيعية فيها بسرعة. وهذا النمط من التدمير يتجاوز مفهوم "الضغط العسكري الموقت" ليقترب من محاولة فرض واقع طويل الأمد يمنع عودة الاستقرار الكامل إلى الشريط الحدودي.
كما أن تكرار أوامر الإخلاء والإنذارات للسكان يخلق حالة نزوح متواصلة نحو الشمال، الأمر الذي يساهم تدريجيًا في تفريغ مناطق حدودية واسعة من سكانها، ولو بصورة غير معلنة أو غير دائمة.
لا تتحدث إسرائيل رسميًا عن إعادة إنشاء الشريط الحدودي الذي كان قائمًا قبل عام 2000، إلا أن الوقائع الميدانية توحي بمحاولة فرض منطقة عازلة تمتد لعدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. غير أن الفارق الجوهري هذه المرة يكمن في طريقة إدارتها؛ فبدل إقامة مواقع عسكرية ثابتة ونقاط انتشار دائمة، تعتمد المقاربة الحالية على "التحكم بالنيران"، أي إبقاء المنطقة تحت التهديد والاستهداف المستمر لمنع أي تمركز عسكري معادٍ فيها.
ويتيح هذا النموذج لإسرائيل الحفاظ على هامش حركة واسع، حيث تستطيع تنفيذ عمليات خاطفة أو ضربات مركزة تحت عنوان "إزالة التهديدات"، من دون تحمل تبعات الاحتلال التقليدي سياسيًا وعسكريًا.
وضمن هذه الاستراتيجية أيضًا، برزت عمليات استهداف الجسور جنوب نهر الليطاني بهدف تقليص قدرة الجنوب بالحفاظ على ترابطه اللوجستي مع بقية المناطق اللبنانية، وإبطاء أي عمليات نقل أو إمداد محتملة.
ووفقا للخبير العسكري فإن هذا النوع من الاستهداف لا يحمل فقط أبعادًا عسكرية، بل يترك آثارًا اقتصادية واجتماعية عميقة، إذ يؤدي إلى تعطيل الحركة التجارية والخدماتية ويزيد من الضغوط المعيشية على السكان المدنيين.
ورغم أن هذه المقاربة تمنح إسرائيل قدرة أكبر على المناورة وتخفف من أعباء الاحتلال المباشر، فإن نجاحها على المدى الطويل يبقى محل نقاش واسع، خاصة أنها تلقى مواجهة وتصديًا من حزب الله الذي يخوض معارك الكر والفر، مستخدمًا مفاجآت أربكت الجيش الإسرائيلي وتتمثل بالطائرات الانقضاضية التي أدت إلى مقتل وإصابة الكثير من الضباط والجنود.
في المحصلة، فإن إسرائيل تحاول اليوم تحقيق معادلة معقدة: فرض الردع من دون الغرق مجددًا في مستنقع الاحتلال، والحفاظ على الأمن الحدودي من دون التورط في إدارة مباشرة للأرض والسكان.
المصدر:
النشرة