رغم كل الضجيج السياسي والإعلامي المحيط بأي تواصل بين لبنان وإسرائيل، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بوضوح بأن مسار المفاوضات المباشرة سيستمر خلال المرحلة المقبلة، سواء بقي تحت عنوان الترتيبات الحدودية والأمنية أو تطور لاحقاً إلى نقاشات أوسع.
الأهم في هذا المشهد أن
حزب الله لا يبدو في وارد فتح اشتباك داخلي بسبب هذه المفاوضات، بل هناك قرار واضح بتمرير الأمور بهدوء ما دامت لا تصل إلى مستوى لقاء مباشر بين رئيس الحكومة
الإسرائيلية
بنيامين نتنياهو ورئيس الجمهورية، أو إلى توقيع اتفاق سياسي علني يحمل طابع التطبيع الكامل.
حتى الآن، يتعامل"الحزب" مع الملف ببراغماتية عالية. كما أن الحزب يعرف أن أي مواجهة داخلية ستؤدي إلى استنزاف الجميع، ولذلك يبدو حريصاً على إبقاء السقف مضبوطاً وعدم إعطاء خصومه فرصة لتحويل الملف إلى مادة تفجير داخلي.
لكن الخطورة الفعلية لا تكمن في المفاوضات نفسها، بل في طبيعة ما قد ينتج عنها لاحقاً. الحديث المتزايد عن اتفاق أمني بين لبنان وإسرائيل يفتح الباب أمام مرحلة شديدة الحساسية. فهناك من يروّج لفكرة أن مثل هذا الاتفاق سيكون الضمانة الوحيدة لمنع عودة التصعيد، خصوصاً الذي طال الضاحية الجنوبية ومحيط العاصمة.
وسيتم تسويق الاتفاق باعتباره فرصة لإنقاذ لبنان من جولات قصف جديدة، مع الإيحاء بأن رفضه سيعني تحميل اللبنانيين كلفة أمنية واقتصادية هائلة.
غير أن المشكلة الأساسية تكمن في أن أي اتفاق أمني لن يبقى حبراً على ورق، بل سيفرض التزامات مباشرة على
الدولة اللبنانية ، وخصوصاً في ما يتعلق بسلاح حزب الله ودوره العسكري. هنا تحديداً تبدأ الأزمة الحقيقية، لأن جزءاً كبيراً من اللبنانيين سيعتبر أن الدولة تتحول تدريجياً إلى طرف في مواجهة داخلية مع الحزب، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
هذا السيناريو قد يضع لبنان أمام أخطر مرحلة منذ سنوات، لأن الانتقال من التفاهمات الأمنية إلى محاولة فرض وقائع ميدانية جديدة قد يفتح الباب أمام اشتباك داخلي غير مضمون النتائج.
فـ"الحزب" لن يقبل بأن يتحول الاتفاق إلى منصة لمحاصرته أو نزع عناصر قوته، وفي المقابل ستتعرض الدولة لضغوط خارجية كبيرة لتنفيذ أي التزامات يتم التوصل إليها. وبين هذين المسارين، يبدو لبنان وكأنه يسير فوق حقل ألغام سياسي وأمني شديد التعقيد.