كتب علي رضا ناصر الدين في" الاخبار": الوقائع الأخيرة في مشهد واحد يقود إلى نتيجة خطيرة في نظر شريحة واسعة من الشيعة اللبنانيين: نحن أمام مشروع متكامل لإعادة رسم التوازنات في
لبنان والمنطقة، عنوانه الظاهر المواجهة مع
إيران وحزب الله، لكن جوهره إعادة تشكيل الشيعة أنفسهم سياسياً وعقائدياً وديموغرافياً. من هنا، لا يبدو الحديث المتزايد عن إسقاط النظام في إيران بالنسبة إلى البيئة الشيعية مجرد نقاش جيوسياسي عابر، بل يُنظر إليه بوصفه محاولة لضرب آخر مظلة إقليمية شكّلت عنصر حماية للشيعة بعد قرون طويلة من التهميش والاستباحة. فالشيعة الذين عاشوا الحرمان في لبنان الحديث، لا يتعاملون مع إيران كحليف سياسي فقط، بل كضمانة توازن تمنع عودتهم إلى زمن العزلة والخوف.
وفي هذا السياق، جاءت مواقف السفير الأميركي ميشال عيسى من على منبر بكركي لتُقرأ داخل البيئة الشيعية كإشارة سياسية تتجاوز حدود اللياقات الدبلوماسية التقليدية. فالرجل لم يكتفِ بإعلان دعمه للبطريركية المارونية، بل قال حرفياً: «هل
نتنياهو بعبع؟ هو مفاوض ثانٍ»، معتبراً أنّ اللقاء مع رئيس حكومة
الاحتلال ليس «تنازلاً أو خسارة». ولم تتوقف الرسائل عند هذا الحد، بل قال، في سياق الحديث عن الرافضين لهذا المسار: «فليرحلوا».
وبغضّ النظر عن تفسير العبارة أو سياقها الكامل، فإنّ وقعها داخل البيئة الشيعية كان بالغ الخطورة، لأنّها أعادت إحياء أعمق الهواجس التاريخية لدى الشيعة اللبنانيين: هاجس الاقتلاع والإلغاء والترحيل. فهذا الكلام، بالنسبة إلى قسم كبير من الشيعة، لا يُفهم فقط كدعوة إلى تغيير سياسي أو إلى إعادة تموضع لبنان إقليمياً، بل كإشارة إلى أنّ المرحلة المقبلة قد تكون مرحلة إعادة تشكيل البلد على قاعدة إخراج أو كسر كلّ مكوّن يرفض الانخراط في المشروع الجديد. الأخطر من ذلك، أنّ هذا الكلام جاء من على منبر بكركي تحديداً، أي من قلب المؤسسة التي ينظر إليها كثيرون باعتبارها التعبير الأوضح عن الدولة العميقة في لبنان، بما تمثّله تاريخياً من مرجعية سياسية وثقافية للطائفة المارونية، ودورها المركزي في صياغة الكيان اللبناني منذ نشأته. ثم جاءت مواقف
رئيس حزب
الكتائب لتضيف طبقة جديدة من القلق داخل البيئة الشيعية، وخصوصاً حين انتقل الخطاب من مواجهة حزب أو مشروع سياسي إلى الحديث عن العقيدة نفسها. فعندما يصبح الصراع مع العقيدة الشيعية لا مع الخيارات السياسية للشيعة، فإنّ الرسالة التي تصل إلى جمهور واسع تصبح واضحة: المطلوب ليس فقط تفكيك القوة العسكرية أو السياسية، بل إعادة إنتاج
شيعي جديد يتناسب مع التصور الذي تريده المنظومة
اللبنانية التقليدية.
ومن هنا، بدأت تتكرّس لدى كثيرين قناعة بأنّ ما يجري ليس مجرد ضغط سياسي ظرفي، بل مشروع متكامل يقوم على ثلاث مراحل مترابطة:
أولاً: إسقاط إيران أو إضعافها إلى الحد الذي تفقد فيه قدرتها على حماية حلفائها.
ثانياً: محاصرة القوة الشيعية في لبنان سياسياً وأمنياً واقتصادياً وديموغرافياً.
ثالثاً: إعادة تشكيل من يبقى من الشيعة داخل لبنان ضمن نموذج شيعي مقبول، منزوع من عناصر القوة.