أي أمر من هذين الأمرين هو الأقرب إلى الواقع والمنطق: أن توقف
إسرائيل اعتداءاتها المتواصلة على البلدات والقرى الجنوبية، وهي بدت في الآونة الأخيرة أشدّ عنفًا من السابق، أو ذهاب
لبنان إلى مفاوضات واشنطن المباشرة؟ وإذا صحّت الأخبار المنسوبة إلى أكثر من مسؤول إسرائيلي، وبالأخص المتشدّدين منهم، بأن تل أبيب لن توقف إطلاق النار ما دام أمنها
الشمالي مهدّدًا من قِبل "
حزب الله "، فإن المؤشرات المتوافرة حتى هذه اللحظة لا تشجّع كثيرًا على التفاؤل.
من جهتهم، يؤكد مسؤولو "حزب الله" أن التخّلي عن السلاح ليس ورادًا في قاموسهم لا اليوم ولا غدًا، وهو الذي يعتبرونه ضمانة أولى وأخيرة للوجود، مع إصرار لبناني، وهذا ما أكدّه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في أكثر من موقف له، على عدم الذهاب إلى واشنطن إذا لم تستطع واشنطن الضغط على تل أبيب لوقف اعتداءاتها، التي لم تعد مقبولة، لا قانونًا ولا عرفًا ولا شرعًا. وما دعا إليه عون خلال لقائه السفير الأميركي في
بيروت ميشال عيسى أكبر دليل على جدّية مطالبة لبنان واشنطن بأن تمارس أقصى الضغوطات على تل أبيب لوقف اعتداءاتها اليومية على لبنان.
وفي اعتقاد أوساط ديبلوماسية معنية بما يجري في المنطقة، وتحديدًا في لبنان، أنه في حال لم تنجح المساعي المبذولة لوقف التصعيد
الإسرائيلي فإن الأمور آيلة إلى المزيد من التأزيم، خصوصًا أن المفاوضات المباشرة، التي يتمسك بها لبنان الرسمي الممثَل برئيس الجمهورية والحكومة، تبدو بمثابة "آخر خرطوشة" في محاولة حثيثة لوقف دورة العنف الحالية، مع إصرار إسرائيلي على عدم وقف إطلاق النار ما لم تضمن تل أبيب بأن أمنها الشمالي لن يكون مهدّدًا في
المستقبل كما كان عليه الوضع في السابق، حيث كان "حزب الله" يشكّل هاجسًا دائمًا لمستوطني
الشمال الإسرائيلي، الذين اضطروا للنزوح في حرب "المساندة الأولى" من الشمال في اتجاه العمق الإسرائيلي بفعل ما تعرّضت له هذه المستوطنات من قصف مركّز من قِبل "المقاومة الإسلامية".
وبين إصرار إسرائيلي على نزع سلاح "حزب الله" قبل أي أمر آخر، ورفض "الحزب" التخّلي عن هذا السلاح، يقف لبنان الرسمي في دائرة الخطر مكبّل اليدين، وهو الذي يرى أن دون التوصّل إلى ما يسعى إليه من أهداف التفاوض المباشر، صعوبات وعراقيل كثيرة، خصوصًا في ظل عدم اقتراب كل من واشنطن وطهران إلى تسويات ممكنة بعيدًا من لغة النار والبارود.
وفي هذا الإطار، لا تبدو المعضلة محصورة فقط في التباين بين الموقفين اللبناني والإسرائيلي، بل في غياب الأرضية المشتركة التي يمكن أن تُبنى عليها أي عملية تفاوضية جدّية. فإسرائيل تنطلق من منطق أمني صرف، يعتبر أن أي تسوية لا تبدأ بنزع سلاح "حزب الله" أو تحييده بالكامل هي تسوية ناقصة وغير قابلة للحياة، فيما ينطلق "الحزب" من مقاربة معاكسة، ترى في هذا السلاح ضمانة استراتيجية لا يمكن التخلّي عنها في ظل استمرار ما يعتبره تهديدًا وجوديًا من قبل إسرائيل.
وبين هذين المنطقين المتناقضين، تبدو الدولة
اللبنانية كمن يحاول إدارة أزمة تتجاوز قدراتها الفعلية، سواء على المستوى العسكري أو السياسي. فهي من جهة غير قادرة على فرض معادلة داخلية جديدة تتعلّق بحصرية السلاح، ومن جهة أخرى لا تملك أوراق ضغط كافية لفرض شروطها على طاولة التفاوض، ما يجعل موقعها التفاوضي هشًّا إلى حدّ كبير.
وفي قراءة أوساط غربية مطّلعة، فإن الرهان الأميركي على المفاوضات المباشرة لا ينفصل عن رغبة واشنطن في تحقيق اختراق ما على الساحة اللبنانية، ولو جزئيًا، يُسجّل في إطار مقاربة أوسع للملف الإقليمي. إلا أن هذا الرهان، على أهميته، يصطدم بواقع معقّد، حيث لا تزال أولويات الأطراف المعنية متباعدة إلى حدّ يصعب معه جمعها تحت سقف واحد في الوقت الراهن.
أما العامل الإيراني، فيبقى حاضرًا بقوة، ولو من خلف الستار. فطهران، التي تدير جزءًا أساسيًا من التوازنات في الساحة اللبنانية، لا تبدو في وارد تقديم تنازلات مجانية في هذا التوقيت، خصوصًا في ظل استمرار التوتر مع واشنطن، وعدم التوصل إلى تفاهمات واضحة حول الملفات العالقة، وبالأخص بعد رفض الرئيس ترامب الردّ الإيراني. وهذا الأمر سينعكس تلقائيًا على موقف "حزب الله"، الذي يربط أي تغيير في استراتيجيته الدفاعية بمسار أوسع يتجاوز الحدود اللبنانية.
وفي المقابل، تزداد الضغوط الدولية على لبنان، ليس فقط لوقف التصعيد، بل أيضًا للدخول في مسار تفاوضي واضح المعالم، يفضي في نهاية المطاف إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك على الحدود الجنوبية. غير أن هذه الضغوط، على شدّتها، تصطدم بواقع داخلي منقسم، حيث لا يزال اللبنانيون عاجزين عن إنتاج رؤية موحّدة لكيفية الخروج من هذه الأزمة المركّبة.
وفي ظل هذا المشهد المعقّد، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن للبنان أن ينتزع وقفًا لإطلاق النار من دون أن يقدّم أثمانًا سياسية وأمنية كبيرة، أم أن الذهاب إلى المفاوضات، بالشروط المطروحة حاليًا، قد يضعه أمام خيارات صعبة تتعلّق بمستقبل التوازن الداخلي؟
يبدو أن لبنان يقف أمام معادلة شبه مستحيلة: وقف العدوان من جهة، والحفاظ على توازناته الداخلية من جهة أخرى. وبين هذين الخيارين، تتحرّك الديبلوماسية اللبنانية بحذر شديد، في محاولة لالتقاط أي فرصة ممكنة لتخفيف حدّة الأزمة، من دون الانزلاق إلى تسويات قد تكون كلفتها أعلى من كلفة المواجهة نفسها.
فهل تنجح هذه المقاربة في تجنيب لبنان الأسوأ، أم أن البلاد مقبلة على مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث تصبح المفاوضات جزءًا من الأزمة لا مدخلًا للحل؟