آخر الأخبار

لبنان وملف جرائم الحرب: ورقة ضغط في زمن اختلال الموازين

شارك

في لحظة تبلغ فيها الموازين العسكرية ذروة اختلالها لمصلحة إسرائيل ، وتبدو الخيارات الدبلوماسية محاصرة بحسابات الخارج وانقسامات الداخل، يعود لبنان إلى ورقة لطالما حضرت في خطابه السياسي والحقوقي، من دون أن تتحول إلى مسار متكامل: توثيق جرائم الحرب الإسرائيلية ورفعها إلى المؤسسات الدولية.

يتجلّى ذلك في ما أعلنه وزير الإعلام بول مرقص ، نقلًا عن رئيس الحكومة نواف سلام ، بشأن الاتفاق مع المفوضية السامية لحقوق الإنسان على زيارة لبنان قريبًا للتحقق من جرائم الحرب الإسرائيلية، إضافة إلى العمل لعقد جلسة في مجلس حقوق الإنسان في جنيف لمتابعة توثيق هذه الجرائم. كما استقبل سلام وفد لجنة المتابعة النيابية لحماية الأعيان المدنية والتدمير الممنهج، ما يعطي المسار سندًا سياسيًا داخليًا لا يقتصر على موقف حكومي عابر.

للوهلة الأولى، قد تبدو هذه الخطوة امتدادًا طبيعيًا للغة الشكوى اللبنانية أمام الأمم المتحدة ، وهي لغة اعتادها البلد كلما اتسعت الاعتداءات أو ارتفعت كلفة المواجهة. غير أن الظرف الحالي يمنح هذا المسار معنى مختلفًا، لأنه يأتي في لحظة تضيق فيها خيارات الدولة بين ضغط الميدان، وانقسام الداخل، وبرودة الحسابات الدولية.

فلبنان لا يتحرك اليوم من موقع فائض القوة. هو لا يستطيع فرض معادلة ميدانية جديدة، ولا يملك إجماعًا داخليًا متماسكًا يسمح له بإدارة المواجهة السياسية مع إسرائيل من موقع واحد، ولا يمكنه الاتكال بالكامل على وسيط خارجي تحكمه حسابات إقليمية ودولية أوسع من المصلحة اللبنانية المباشرة. في مثل هذه الظروف، لا يعود ملف جرائم الحرب مجرد مسار حقوقي موازٍ، وإنما يصبح محاولة لبناء ورقة ضغط بديلة، أو على الأقل مساندة، في زمن تراجعت فيه قدرة لبنان على التأثير المباشر في مجريات الصراع.

السؤال هنا لا يتعلق بإمكان أن توقف وثيقة قانونية آلة الحرب وحدها، ولا بقدرة جلسة أممية على قلب موازين القوى سريعًا، إنما بمدى قدرة لبنان على تحويل موقع الضحية من حالة ضعف إلى موقع ادعاء سياسي وقانوني. وهذا التحول، إذا أُحسن إدارته، قد يمنح الدولة هامشًا جديدًا في معركة لا تُخاض بالسلاح وحده، ولا بالتفاوض وحده، وإنما أيضًا بالرواية والوثيقة والضغط المتراكم.

من الشكوى إلى صناعة الملف

المشكلة اللبنانية لم تكن يومًا في غياب الوقائع، وإنما في كيفية تحويلها إلى ملف. فعلى مدى سنوات، ظلت مشاهد الدمار واستهداف المدنيين حبيسة شاشات التلفزة ووسائل التواصل الاجتماعي، تنتهي صلاحيتها بانتهاء الخبر، فيما بقيت القرى الجنوبية تدفع وحدها ثمن التصعيد، ويتوسع النزوح مع كل موجة قصف، وكأن الخروقات الإسرائيلية باتت جزءًا من مشهد أمني مفتوح لا بد من التعايش معه.

اليوم، تبدو المحاولة الرسمية مختلفة في عنوانها على الأقل. فالهدف هو نقل الانتهاكات الإسرائيلية من إطار الخبر اليومي إلى المستند القانوني، أي من الشكوى إلى الملف. والفارق بين الأمرين جوهري. فالشكوى تعبّر عن موقف سياسي، أما الملف فيبني حجة قابلة للاستخدام. وعلى المنوال نفسه، قد تُسمَع الشكوى في لحظة، أما الملف فيتراكم، ويُستعاد، ويُستخدم في أكثر من محطة.

بمعنى آخر، لا يهدف التوثيق هنا إلى الأرشفة وحدها، وإنما إلى بناء قاعدة بيانات حقوقية قادرة على الصمود أمام المؤسسات الدولية ومجلس حقوق الإنسان في جنيف. لذلك، فإن تحويل كل اعتداء إلى مستند، وكل استهداف للأعيان المدنية إلى بند، وكل تهجير إلى جزء من سجل متكامل، لا يندرج في خانة العمل الإداري البارد، قبدر ما يشكل جزءًا من معركة أوسع على الرواية والمسؤولية والكلفة السياسية.

ورقة لا تفجّر الداخل

في السياسة الدولية، لا تكفي الصور المؤلمة وحدها لصناعة الضغط. ما لا يُوثَّق بدقة يسهل إنكاره، وما لا يُجمع في مسار مؤسساتي يسهل تجاوزه عند أول تسوية، وما لا يدخل في سجل رسمي يبقى عرضة للنسيان أو الاستخدام الموسمي. من هنا، تبرز أهمية أن يتعامل لبنان مع ملف جرائم الحرب بوصفه مسارًا طويلًا يرافق أي حركة دبلوماسية أو تفاوضية مقبلة، لا بوصفه رد فعل ظرفيًا على موجة اعتداءات.

تبدو هذه المقاربة، في جانب منها، محاولة لتحويل الوجع إلى ورقة ضغط يمكن أن تربك السردية الإسرائيلية في المحافل الدبلوماسية. ولعلّ إحدى نقاط قوة هذا المسار أنه يتيح للدولة مساحة حركة لا تفتح فورًا كل الانقسامات الداخلية، ولا تضعها مباشرة في قلب الملفات التي يتحول النقاش حولها سريعًا إلى اشتباك سياسي.

فبينما ينقسم اللبنانيون عموديًا حول السلاح، وقرار الحرب، وشكل التفاوض، وحدود الدور الأميركي، يبرز المسار الحقوقي كمنصة نادرة يمكن أن تلتقي عندها قوى مختلفة، لأنه يبدأ من نقطة يفترض أنها أكثر قابلية للتوافق: حماية المدنيين، تثبيت مسؤولية إسرائيل عن الاعتداءات، ومنع تحويل الدمار إلى حدث عابر في ذاكرة الحرب.

بهذا المعنى، يمكن للدولة أن تتحرك في مساحة لا تنافس فيها أحدًا في الميدان، ولا تبدو كأنها تتجاوز التوازنات الداخلية، ولا تقدّم تنازلًا سياسيًا للخارج. هي تقول ببساطة إن هناك اعتداءات يجب أن توثّق، وإن هناك كلفة إنسانية يجب ألا تبقى من دون مساءلة، وإن ما يحدث في الجنوب لا يمكن أن يتحول إلى رقم يومي في نشرات الأخبار. وهذه نقطة مهمة في بلد يكاد يتحول فيه كل ملف إلى مادة انقسام داخلي.

لكن هذه الميزة لا تعني أن المسار سهل أو مضمون. فإسرائيل اعتادت التعامل مع الإدانات الدولية كجزء من كلفة الحرب، كما أن المؤسسات الأممية تتحرك غالبًا ضمن حدود التوازنات السياسية للدول المؤثرة. لذلك، لا يكفي أن يمتلك لبنان ملفًا محقًا. عليه أن يمتلك أيضًا القدرة على إدارة هذا الملف، وتظهيره، وملاحقته، وربطه بحركة دبلوماسية وإعلامية وقانونية لا تتوقف عند لحظة الإعلان الأولى.

هل يكفي التوثيق؟

لا يصنع التوثيق سياسة بمجرد وجوده. ما يصنع السياسة هو وضع التوثيق داخل استراتيجية أوسع. وهذا ما يحتاج إليه لبنان في هذه المرحلة: قاعدة بيانات دقيقة، فريق قانوني وحقوقي متخصص، تنسيق بين الحكومة والبرلمان والبعثات الدبلوماسية، خطاب خارجي موحد، وقدرة على مخاطبة العواصم المؤثرة بلغة المصالح والقانون معًا.

فالمعركة ليست فقط في إثبات أن إسرائيل تعتدي، وإنما في جعل هذه الاعتداءات ذات كلفة سياسية متصاعدة. من هنا، ينبغي ألا يبقى ملف جرائم الحرب محصورًا في حدود الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان، خصوصًا أن المسارات الأممية تتسم بالبطء الشديد، وغالبًا ما تصطدم بحائط المصالح الكبرى، فيما اعتادت إسرائيل التعامل مع الإدانات الحقوقية كجزء من "ضريبة الحرب" التي يمكن دفعها إعلاميًا من دون أثر ميداني فوري.

لذلك، فإن نجاح "سلاح التوثيق" لا يتوقف عند حدود جمع الأدلة، وإنما يرتبط بمدى قدرة الدبلوماسية اللبنانية على ربط هذا الملف بحركة إعلامية وسياسية متواصلة. فالتوثيق من دون توظيف سياسي ذكي قد يبقى حبرًا على ورق، بينما الرهان اليوم هو جعل كلفة الجرائم الإسرائيلية، سياسيًا ودبلوماسيًا، أكبر من أن تُهمَل أو تُطوى مع الوقت.

في المقابل، يجب الحذر من تحويل هذا الملف إلى بديل وهمي عن الخيارات السياسية الأخرى. فتوثيق جرائم الحرب لا يغني عن الحاجة إلى وقف إطلاق النار، ولا عن ترتيب الوضع الداخلي، ولا عن معالجة الأسئلة الكبرى المرتبطة بالجنوب والدولة والسلاح والقرار. لكنه يمنع، في الحد الأدنى، أن تبقى الحرب من دون أرشيف رسمي، وأن تبقى الخسائر من دون سجل، وأن تتحول المعاناة اللبنانية إلى مادة قابلة للاستهلاك الإعلامي ثم النسيان.

حدود الرهان الأممي

يعرف اللبنانيون جيدًا أن المسار الأممي بطيء، وأن العدالة الدولية لا تتحرك غالبًا بالسرعة التي ينتظرها الضحايا، وأن موازين القوى الدولية قادرة على تعطيل كثير من المسارات القانونية أو إفراغها من مضمونها. لذلك، سيكون من الخطأ تقديم ملف جرائم الحرب للرأي العام كأنه ورقة حاسمة أو طريق سريع إلى محاسبة إسرائيل. مثل هذا الخطاب قد يرفع التوقعات أكثر مما ينبغي، ثم ينتج إحباطًا جديدًا عندما تصطدم الخطوات بالوقائع السياسية المعروفة.

الأصح أن يُقدَّم هذا المسار كما هو: ورقة ضمن مجموعة أوراق، لا بديلًا عنها. ورقة تساعد لبنان على تحسين موقعه السياسي، وتمنحه لغة أكثر صلابة في مخاطبة الخارج، وتمنع إسرائيل من احتكار سردية الحرب، وتضع الاعتداءات في إطار قانوني وسياسي متراكم. قيمتها لا تظهر في يوم واحد، وإنما في القدرة على تحويلها إلى جهد مستمر لا يخضع لمزاج اللحظة ولا يتوقف عند تبدل العناوين.

بكلام آخر، قد لا يستطيع لبنان اليوم تعديل ميزان النار، لكنه يستطيع أن يعمل على بناء ميزان الرواية. وهذه ليست مسألة معنوية فقط، لأن الرواية في الصراعات الطويلة تتحول إلى جزء من أدوات الضغط. من يملك الملف المنظم يمتلك قدرة أكبر على مخاطبة الخارج، ومن يحوّل الخسارة إلى مستند يمتلك فرصة أكبر لمنع تكرارها أو على الأقل رفع كلفتها، ومن يترك وقائعه من دون توثيق يسهّل على الآخرين إعادة كتابة المشهد وفق مصالحهم.

لذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يكون على إعلان النية وحده، وإنما على الاستمرارية. كم مرة سيتابع لبنان الملف بعد الضجة الأولى؟ هل سيُنشئ آلية وطنية جدية لجمع الأدلة؟ هل ستتعاون الوزارات والبلديات والهيئات الحقوقية والنقابات والبعثات الدبلوماسية ضمن إطار واحد؟ هل سيتحول الملف إلى جزء من الخطاب اللبناني الرسمي في الخارج، أم يبقى عنوانًا عابرًا في بيان حكومي؟

هذه الأسئلة تحدد ما إذا كان ملف جرائم الحرب سيصبح فعلًا ورقة ضغط، أو يضاف إلى لائحة طويلة من المبادرات التي تبدأ بقوة ثم تتراجع تحت ضغط الانشغالات اليومية. فالورقة لا تولد قوية بذاتها، وإنما تصبح كذلك عندما تُدار بجدية، وتُحدَّث باستمرار، وتُستخدم في المكان المناسب، وفي اللحظة المناسبة، وباللغة المناسبة.

وبين اختلال الميدان وبرودة المجتمع الدولي، يحتاج لبنان إلى تحويل الوجع إلى وثيقة، والدمار إلى حجة، والاعتداءات المتكررة إلى ملف لا يسقط بالتقادم السياسي. عندها فقط، لا يبقى التوثيق أرشيفًا للحرب، ويصبح جزءًا من معركة لبنان على حقوقه وصورته وموقعه في أي تسوية مقبلة.

النشرة المصدر: النشرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا