كتب حمزة الخنسا في" الاخبار": تتحوّل
الجبهة الجنوبية في
لبنان تدريجياً إلى واحدة من أكثر ساحات الاشتباك تعقيداً في المنطقة، ليس فقط بسبب طبيعة المواجهة العسكرية المفتوحة بين العدو
الإسرائيلي وحزب الله، بل أيضاً نتيجة تشابكها المتزايد مع مسارات إقليمية أوسع، وفي مقدّمها التفاوض الأميركي -
الإيراني .
في إسرائيل ، تتزايد التقديرات داخل المؤسستين الأمنية والسياسية بأن المواجهة في
الشمال لم تعد مجرّد عملية عسكرية محدودة يمكن ضبطها بسهولة، بل تحوّلت إلى تحدٍّ استراتيجي مفتوح يفرض استنفاراً دائماً، ويستنزف القدرات العسكرية والاقتصادية والنفسية. ورغم التفوّق الجوي والتقني الإسرائيلي، لم تتمكّن
تل أبيب حتى الآن من إنتاج صورة حسم واضحة تتيح لها إعلان تحقيق أهدافها بصورة نهائية.
وفي موازاة البعد الميداني، يتزايد تأثير العامل الإقليمي على مسار الحرب. فالتوتر القائم بين
واشنطن وطهران، والتعثّر المتكرر في مسارات التفاوض بينهما، ينعكسان بصورة مباشرة وغير مباشرة على الجبهات المترابطة في المنطقة، ومن بينها لبنان. وقد عزّزت التصريحات الأميركية الأخيرة بشأن عدم الرضى عن الرد الإيراني على الطروحات التفاوضية، الانطباع بأن المنطقة قد تدخل مرحلة جديدة من الضغوط المتبادلة ورفع السقوف السياسية والعسكرية.
مع ذلك، فإن اختزال الجبهة
اللبنانية باعتبارها مجرّد ورقة تفاوض إيرانية لا يبدو دقيقاً بالكامل. فمسار المواجهة في لبنان تحكمه أيضاً حسابات محلية إسرائيلية ولبنانية مُعقّدة. وإسرائيل بدورها تتحرّك وفق اعتبارات داخلية مرتبطة بأزمة الحكومة والضغط الشعبي وملف المستوطنات الشمالية، بينما يأخذ
حزب الله في الاعتبار كلفة الحرب المفتوحة على الداخل اللبناني وتوازناته الداخلية.في هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة معنيّة بمنع تحوّل المواجهة الحالية إلى حرب إقليمية واسعة، خصوصاً في ظل المخاوف من انهيار أي فرصة لإعادة ضبط التوازنات في المنطقة. بالنسبة إلى
إسرائيل ، قد يشكّل هذا المسار مخرجاً سياسياً يسمح بالانتقال من المواجهة المفتوحة إلى التهدئة تحت عنوان «إعادة ترتيب الوضع الأمني»، بدلاً من الظهور بمظهر المنسحب تحت ضغط الاستنزاف.
إلا أن خطورة هذا النموذج بالنسبة إلى لبنان تكمن في أن هامش الخطأ يبقى ضيقاً للغاية. فأيّ تطور ميداني غير محسوب، أو ضربة تتجاوز قواعد الاشتباك غير المعلنة، قد يدفعان سريعاً نحو توسّع يصعب احتواؤه.
على أيّ حال، يبدو المشهد الحالي أقرب إلى مأزق إقليمي متعدّد المستويات، لا يملك فيه أي طرف القدرة على فرض تسوية كاملة، ولا الرغبة في تحمّل كلفة الانفجار الشامل.