يعيش الاقتصاد اللبناني مرحلة تُعدّ من الأكثر خطورة منذ سنوات، فهذه المرّة، لا يواجه
لبنان أزمة داخليّة وحربًا دائرة على أراضيه فحسب، بل يرزح أيضًا تحت وطأة صدمة إقليميّة، طالت أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالميّة. هذا الواقع وضع لبنان عند تقاطع حربين: الأولى ميدانية تستنزف موارده بشكل مباشر، والثانية اقتصاديّة غير مباشرة، تنتج بفعل تقلّبات أسعار الطاقة. وبما أنّ لبنان يعتمد على الاستيراد لتأمين معظم حاجاته من المحروقات والسلع الأساسيّة، فقد انتقلت تبعات اضطراب أسواق الطاقة والشحن سريعًا إلى الأسعار المحليّة، لتضع البلاد أمام موجة تضخّمية جديدة.
موجة غلاء وارتفاع فاتورة الاستيراد
عكست أرقام مؤشّر أسعار المستهلك لشهر آذار الماضي، الصادرة عن إدارة الإحصاء المركزي، تأثير الحرب على حركة أسعار السوق في لبنان. فبحسب البيانات، قفزت أسعار المحروقات بأكثر من 50%، ما انعكس مباشرة على كلفة النقل والإنتاج وسلاسل التوريد، ودفع مؤشّر أسعار الاستهلاك إلى الارتفاع بنسبة 4.91% خلال شهر واحد فقط، في أعلى زيادة شهرية منذ تثبيت سعر الصرف عام 2023. وعلى المستوى السنوي، بلغ التضخّم 17.26% حتى آذار 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
هذا الارتفاع في الأسعار يعكس خللًا أوسع في بنية الاقتصاد، حيث سجّل لبنان عجزًا تجاريًا، وفق النشرة الماكرو-اقتصادية الصادرة عن
مصرف لبنان للعام 2025، مع ارتفاع حجم الاستيراد بنسبة 24.7% ليصل إلى 21.1 مليار دولار، أي نحو 64% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 3.6 مليارات دولار للصادرات، ما أسفر عن عجز تجاري قدره 17.4 مليار دولار، وهو ما يمثل عبئًا على نمو الناتج المحلّي الإجمالي.
الحرب تنسف مسار التعافي
تشير هذه المعطيات إلى أنّ الحرب شكّلت نقطة تحوّل، إذ أطاحت بمسار الانخفاض التدريجي في معدّل التضخّم الذي كان قد بدأ قبل الحرب، بفعل استقرار سعر الصرف، ليعود المؤشر ويسجّل مستويات لم يبلغها منذ أكثر من سنة ونصف.
وكان مصرف لبنان قد أشار إلى أنّ الاقتصاد اللبناني أظهر بعض بوادر انتعاش متواضع في عام 2025، مدفوعًا بتحسّن طفيف في مستوى الحوكمة المحليّة، ما ساهم في تهيئة بيئة أفضل للنشاط الاقتصادي. وعلى صعيد الأرقام، أظهرت النشرة الماكرو-اقتصادية تسجيل معدّل نمو حقيقي بلغ 3.8% في العام 2025، بعد
سنوات من الأداء الضعيف أو السلبي، إذ بلغ النمو 0.0% في 2022، و0.5% في 2023، و6.4% في 2024.
وبذلك، لم تقتصر تداعيات الحرب على عرقلة مسار التعافي، بل أعادت إطلاق موجة تضخميّة جديدة، سرعان ما تُرجمت في واقع معيشي يزداد قسوة يومًا بعد يوم. فالأسر التي استنزفتها سنوات الانهيار، تواجه اليوم موجة غلاء إضافية تلتهم ما تبقّى من دخلها. ومع استمرار الحرب، لا تبدو هذه الضغوط ظرفيّة، بل مرشّحة للتفاقم بفعل العوامل الخارجية التي تضيف مزيدًا من الضغط على الاقتصاد المحلي.
تحذيرات دولية: قفزة مرجّحة في أسعار الطاقة والسلع عالميًّا
وفي سياق الضغوط العالميّة، توقّع
البنك الدولي ، أن تقفز أسعار الطاقة بنسبة 24% خلال عام 2026، لتبلغ أعلى مستوياتها منذ اندلاع الحرب بين
روسيا وأوكرانيا قبل أربع سنوات، وذلك في حال انحسار الاضطرابات في أسواق الطاقة الناجمة عن الحرب في
الشرق الأوسط ، اعتبارًا من أيار الحالي.
وأشار البنك، في أحدث تقرير له حول
آفاق أسواق السلع الأوليّة، إلى أنّ هذا السيناريو يبقى مشروطًا، إذ قد تسجّل الأسعار ارتفاعات إضافية في حال تصاعدت الأعمال القتاليّة، واستمرّت اضطرابات الإمدادات لفترة أطول من المتوقع. كما يفترض السيناريو الأساسي عودة تدريجيّة لحركة الشحن عبر مضيق هرمز إلى مستويات قريبة من ما كانت عليه قبل الحرب، بحلول تشرين الأول، فيما تبقى المخاطر، بحسب تقدير البنك، "تميل بوضوح" نحو مزيد من الارتفاع في الأسعار.
كما يتوقّع البنك الدولي ارتفاعًا إضافيًّا في أسعار السلع الأولية بنسبة 16% خلال عام 2026، في ضوء القفزة التي شهدتها أسعار الطاقة والأسمدة. ويشير التقرير إلى أنّ الهجمات على البنية التحتيّة للطاقة واضطرابات الملاحة في المضيق، الذي كان يمرّ عبره قبل الحرب نحو 35% من تجارة
النفط الخام المنقولة بحرًا عالميًّا، تسبّبت في واحدة من أكبر صدمات الإمدادات النفطيّة، فيما بقيت أسعار خام برنت أعلى بأكثر من 50% في منتصف نيسان، مقارنة بما كانت عليه في بداية العام.
في المحصّلة، تتقاطع الضغوط الداخليّة مع موجة غلاء عالميّة مرشّحة للتصاعد، ما يضع لبنان أمام معادلة تضخّم مستورد وعجز داخلي عن احتوائه. وفي ظل غياب شبه تام لأيّ سياسات تلجم مسار التضخّم أو توفّر شبكات أمان اجتماعي، يتّجه البلد نحو أزمة معيشية مفتوحة على كل الاحتمالات، لا تقتصر تداعياتها على ارتفاع الأسعار فحسب، بل تمتد إلى الاستقرار النقدي، وتراجع التحويلات، وصولًا إلى تعثّر قدرة
الدولة على الوفاء بتعهداتها لتحسين مداخيل القطاع العام، بما يفاقم الضغوط على الاقتصاد ويُضعف القدرة الشرائيّة بشكل إضافي.