آخر الأخبار

حرب الاستنزاف المفتوحة… من يملك مخرج النهاية؟

شارك
لم تعد المواجهة الدائرة حول إيران مجرد اشتباك عسكري قابل للاحتواء، بل تحوّلت تدريجياً إلى صدام مفتوح على مستقبل التوازنات الإقليمية والدولية معاً. فالتصعيد المتسارع بين واشنطن وطهران، والذي بدأ تحت عناوين الردع وحماية المصالح الاستراتيجية، بات اليوم اختباراً فعلياً لقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على موقعها كقوة مهيمنة في منطقة تتآكل فيها تدريجياً قواعد النفوذ التي حكمت الشرق الأوسط لعقود.

خلال الأيام الأخيرة، بدا واضحاً أن واشنطن حاولت فرض وقائع جديدة في مضيق هرمز، سواء عبر التحرّك العسكري المباشر أو من خلال تشديد الضغط على خطوط التجارة المرتبطة بإيران. إلا أن الرد الإيراني السريع، سواء عبر استهداف مصالح مرتبطة بالولايات المتحدة أو عبر تثبيت معادلة الرد بالمثل، أظهر أن طهران لا تتعامل مع المضيق كملف تفاوضي وحسب، بل كجزء من أمنها الاستراتيجي وقدرتها على إنتاج توازن ردع اقتصادي وعسكري في آن واحد.

وبحسب مصادر مطلعة، فإن المأزق الأميركي لا يكمن فقط في صعوبة تحقيق نصر عسكري حاسم، بل في غياب القدرة على التراجع من دون أثمان سياسية واستراتيجية كبرى. فالإدارة الأميركية تدرك أن أي انسحاب سيُقرأ في المنطقة كإقرار بفشل أدوات الردع التقليدية، فيما يبدو خيار التصعيد المفتوح محفوفاً بمخاطر استنزاف طويل داخل مساحة جغرافية شديدة الحساسية، تمتد تداعياتها من الخليج إلى شرق المتوسط، مروراً بأسواق الطاقة والتجارة العالمية.

من هنا، لم تعد المفاوضات بالنسبة إلى واشنطن مجرد مسار دبلوماسي ، بل محاولة للبحث عن مخرج يخفف الخسائر ويحفظ الحد الأدنى من صورة الهيمنة الأميركية. غير أن الإيرانيين، حتى الآن، يتعاملون مع المعركة بمنطق مختلف تماماً، قائم على منع الولايات المتحدة من تحقيق أي إنجاز سياسي سريع، وفي الوقت نفسه منعها من إنتاج "خروج مشرّف" يسمح لها بإعادة ترميم صورة الردع التي تآكلت خلال الأشهر الماضية.

وفي موازاة ذلك، تبدو إسرائيل أكثر اندفاعاً نحو توسيع دائرة الاشتباك، انطلاقاً من عقيدة تقوم على فرض "السلام بالقوة"، أي إعادة تشكيل المنطقة عبر الضغط العسكري المباشر، لا عبر التسويات السياسية أو التوازنات التقليدية. إلا أن هذه المقاربة، وفق دوائر دبلوماسية مطلعة، تصطدم اليوم بواقع إقليمي ودولي مختلف جذرياً عن العقود السابقة، في ظل تراجع فعالية الهيمنة الأميركية الأحادية وصعود قوى دولية وإقليمية باتت تملك القدرة على تعطيل المشاريع الكبرى أو استنزافها.

أما بعض دول الخليج، فلا تزال تتعامل مع المشهد انطلاقاً من هواجس مرتبطة بتعاظم الدور الإيراني في المنطقة، وخصوصاً ما يتصل بمضيق هرمز وقدرة طهران على التأثير المباشر في الاقتصاد العالمي وحركة الطاقة. لذلك، ترى هذه الدول أن أي اعتراف فعلي بإيران كقوة إقليمية ممسكة بمفاتيح المضيق سيعني انتقال المنطقة إلى توازنات جديدة لم تستوعبها بعد، وهو ما يفسّر حجم الضغط الذي تمارسه بعض العواصم الخليجية باتجاه استمرار التصعيد وعدم منح طهران مكاسب سياسية واضحة.

لكن المشكلة الأساسية تكمن في أن الصراع تجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، ليصبح مواجهة بين نموذجين دوليين: نموذج الهيمنة الأميركية الذي حكم المنطقة لعقود، ونموذج دولي متعدد الأقطاب تحاول قوى كروسيا والصين وإيران فرضه تدريجياً عبر إعادة توزيع النفوذ وقواعد الاشتباك. وفي ظل هذا التحوّل، تبدو واشنطن أمام معركة استنزاف طويلة لا تهدد حضورها العسكري فقط، بل تضرب أيضاً صورة قدرتها على حماية حلفائها وفرض إرادتها السياسية.

لذلك، لا يبدو أن الحرب تتجه نحو نهاية قريبة، لأن جوهر الأزمة لم يعد مرتبطاً بملف أمني أو عسكري محدد، بل برفض أطراف إقليمية ودولية الاعتراف بأن موازين القوة التي حكمت الشرق الأوسط منذ نهاية القرن الماضي بدأت تتغيّر فعلياً. وبينما تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل منع هذا التحوّل بالقوة، تعمل إيران، ومعها قوى دولية صاعدة، على تثبيت واقع جديد يقول إن زمن السيطرة الأحادية على المنطقة يقترب من نهايته، حتى لو احتاج ذلك إلى سنوات إضافية من الاستنزاف والاشتباك المفتوح.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا