آخر الأخبار

لبنان حجر بين شاقوفي اسرائيل وإيران

شارك
في انتظار ما ستؤول إليه المفاوضات بين واشنطن وطهران الجارية بعيدًا عن الصخب الإعلامي من توافقات بالجملة أو المفرق، وما يمكن أن يكون لهذه التوافقات من تداعيات على الوضع اللبناني، فإن المساعي التي تقوم بها كل من فرنسا ومصر تهدف إلى إخراج لبنان من عنق زجاجة أزماته المتراكمة، والتي لم يكن ينقصها الزيت الإقليمي لتأجيج نيران الحرب الدائرة في الجنوب، والتي طالت شظاياها مؤخرًا الضاحية الجنوبية لبيروت.
وفي الاعتقاد السائد لدى بعض المطلعين على ما يُحضّر في باريس والقاهرة من مشاريع تسوية قد تؤدي إلى حل مستدام أن ما يقوم به الفرنسيون والمصريون لا يتعارض مع المساعي الدولية، وفي مقدمها المساعي الأميركية، التي لا تزال تشجع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون على المضي قدمًا في المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، وإن بدت الإدارة الأميركية متفهمة للتريث اللبناني حيال موضوع لقاء عون – نتنياهو، الذي سبق أن قلنا في هذه الزاوية بالتحديد أن لبنان ليس مهيأ بعد لمثل هكذا لقاء حتى ولو أن رئيس الحكومة الإسرائيلية "ليس بعبعبًا"، على حدّ قول السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى.
فالمفاوضات الثنائية التمهيدية الجارية في واشنطن على مستوى سفيري لبنان وإسرائيل شيء والمساعي الفرنسيةالمصرية شيء آخر، وإن كان الهدف في نهاية المطاف يصب في خانة واحدة، وهو وقف جدّي للنار وتأمين انسحاب كامل للجيش الإسرائيلي من كل شبر محتل في لبنان وإعادة الاسرى اللبنانيين وإعادة إعمار ما هدّمته إسرائيل في الجنوب والبقاع والضاحية، مقابل تجميد سلاح " حزب الله "، أي وضعه في الثلاجة السياسية، من دون الدخول في فرضية السرديات المتداولة بين "حصرية" و"نزع" و"تجميد".
غير أن هذه المعادلة، على بساطتها النظرية، تبدو في التطبيق أكثر تعقيدًا مما يُروَّج له في الكواليس الديبلوماسية. فـ"تجميد" السلاح، كما يُطرح، لا يلقى حتى الساعة أي مقاربة موحّدة في الداخل اللبناني، حيث تختلف التفسيرات بين من يراه خطوة انتقالية نحو حصرية السلاح بيد الدولة، وبين من يعتبره التفافًا ظرفيًا لا يمسّ بجوهر المعادلة القائمة.
وفي تقدير أوساط متابعة، فإن أي تسوية لا تأخذ في الاعتبار هذه الحساسية الداخلية، ولا تُبنى على تفاهم لبناني عريض، تبقى عرضة للاهتزاز عند أول اختبار ميداني أو سياسي. فلبنان، الذي جرّب مرارًا حلولًا "نصف مكتملة"، يدرك أن الاستقرار لا يُفرض من الخارج فقط، بل يحتاج إلى حدّ أدنى من التوافق الداخلي الذي يبدو حتى الآن مفقودًا أو مؤجّلًا.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور الذي تحاول كل من باريس والقاهرة الاضطلاع به، ليس فقط كوسيطين، بل كجهتين تسعيان إلى تدوير الزوايا بين المتناقضات اللبنانية ، وتقديم صيغة أقل حدّة من الطروحات الأميركية المباشرة. ففرنسا، بحكم علاقتها التاريخية بلبنان، ومصر، بثقلها العربي، تحاولان إنتاج مقاربة تدريجية تُراعي هواجس جميع الأطراف، وتُبقي الباب مفتوحًا أمام تسوية ممكنة، ولو على مراحل.
إلا أن هذه الجهود، على أهميتها، تبقى مرتبطة إلى حدّ بعيد بمسار التفاهمات الكبرى بين واشنطن وطهران. فكلما اقتربت العاصمتان من نقاط التقاء، انعكس ذلك إيجابًا على الساحات المرتبطة، ومن بينها لبنان. أما في حال تعثّر هذا المسار، فإن كل المبادرات الجزئية قد تتحوّل إلى مجرّد محاولات لشراء الوقت، في انتظار بلورة الصورة الإقليمية.
أما على المستوى الداخلي، فإن الرهان يبقى على قدرة الدولة اللبنانية على التقاط هذه اللحظة الدقيقة، وعدم إهدارها كما حصل في محطات سابقة. فالمجتمع الدولي، على اختلاف توجهاته، يبدو مستعدًا لتقديم دعم مشروط، عنوانه الأساسي: دولة قادرة، قرار موحّد، ومسار تفاوضي واضح المعالم. لكن في المقابل، لا يبدو أن الداخل اللبناني قد حسم خياراته بعد، لا في الشكل ولا في المضمون.
وفي ظل هذا التداخل بين المسارات، يبقى الجنوب هو المعيار الحقيقي لأي تقدّم أو تراجع. فوقف النار الفعلي، لا النظري، وانسحاب الجيش الإسرائيلي، لا إعادة التموضع، وعودة الأهالي إلى قراهم، لا إبقاؤهم في دائرة النزوح، هي المؤشرات التي يمكن البناء عليها للحكم على جدية أي تسوية. أما ما عدا ذلك، فيبقى في إطار الوعود القابلة للتبدّل.
فلبنان يقف اليوم، ومجددًا، عند مفترق طرق دقيق، بين فرصة قد تفتح الباب أمام مرحلة مختلفة، ومخاطر قد تعيده إلى دوّامة التصعيد. فهل تنجح المساعي المتقاطعة في إنتاج تسوية متوازنة، أم أن البلاد ستبقى رهينة حسابات الخارج وتباينات الداخل؟
الإجابة، كما في كل مرة، لا تتوقف فقط على ما يُقرَّر في العواصم الكبرى، بل أيضًا على ما يقرّره اللبنانيون لأنفسهم، إن قرّروا.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا