آخر الأخبار

مستحيل قالها الطبيب… وفعلها مار شربل

شارك

ليس في عالم مثقلٍ بالأزمات والحروب ما يبدو أكثر ندرةً من الرجاء… ومع ذلك، تستمر النِعَم بتجاوز حدود المنطق في الظهور، حاملةً معها إيماناً لا ينكسر. من لبنان ، حيث يمتد حضور القديس شربل إلى ما وراء الجغرافيا، تبرز حكايات لا تشبه غيرها؛ حكايات ألمٍ تحوّل إلى رجاء، ووجعٍ انفتح على احتمال الشفاء. هذه قصة ماريان صليبي … امرأة واجهت المرض سنواتٍ طويلة، قبل أن تجد نفسها أمام لحظة لا يمكن تفسيرها بسهولة، لكنها بالنسبة إليها كانت واضحة: "إنها نعمة".

أجرت ماريان صليبي عملية زرع كلية وهبتها إياها والدتها حين كانت في التاسعة عشرة من عمرها. واليوم، وبعد مرور خمسة وثلاثين عاماً على تلك العملية، باتت تعاني من مشكلات فيها، لا سيما أن الكلية لم تعد تتلقى التغذية الكافية، فاضطرت للعودة إلى غسيل الكلى .

وتروي ماريان عبر "النشرة" أنها "الأطباء اضطرّوا إلى إجراء غسيل الكلى من خارج الشريان في اليد نظراً للمشكلات التي تعانيها، لأنه في حال تعثّر خيار الغسيل عبر اليدين كان يتعيّن اللجوء إلى ذلك بواسطة آلات خاصة". وتشير إلى أنه كان يُفترض بها أن تبدأ بإجراء الجراحة في يدها يوم الجمعة لتتمكن من استخدامها في عملية الغسيل كل ثلاثاء وخميس دون الحاجة إلى تلك الآلات، لكنّها لجأت الى طبيب السماء القديس شربل وطلبت منه أن يفتح لها يديها لتجنّب الجراحة.

"عندما دخلت للاستحمام شعرت أن في يدي شيئاً غريباً". هذا ما تؤكده لافتةً إلى أن "يوم الخميس طلبت من الطبيب محاولة إجراء الغسيل عبر اليد التي كانت ستُجري فيها الجراحة، إلا أنّه أكد لها استحالة الأمر. وتضيف: "أصررت على الموضوع فاستجاب لطلبي، وحاول شكّ إبرةٍ في يدي فبدأ يخرج دمٌ أسود اللون. كررت الطلب وبعد المحاولة خرج دمٌ أحمر، وهنا صرخت بأعلى صوتي: ليتمجد اسم الرب!". وتلفت إلى أن "الطبيب لم يصدّق ما حصل ورآه، وبقي مصرّاً على إجراء الجراحة رغم ما جرى، فوافقت وكنت مدركةً أنه سيتفاجأ حين يجد أن الشريان في يدي بات جاهزاً للغسيل، وهذا ما حدث فعلاً، لكن بعد شهر وليس بعد يوم واحد كما كان متوقعاً". وتشير إلى أنه "لم يجد شيئاً يستدعي التدخل الجراحي، لأنّ ما أراد الأطباء تحقيقه بالعملية كان القديس شربل قد أنجزه؛ فمنحني المعجزة، ولم أنتظر لأتيقّن من ذلك، بل أبلغت دير مار مارون عنايا حتى قبل إجرائها".

تقول ماريان إنه أثناء تسجيلها المعجزة مازحها قيّم الدير الأب لويس مطر ، قائلاً: "طيب، صلّي بعد شوي بخلصك من غسيل الكلى كمان...". فهل ستكون ثمة تكملة لهذه المعجزة؟ لا شيء صعبٌ أو مستحيل مع قدّيس القدّيسين شربل!

في زمنٍ يبحث فيه الإنسان عن إجابات، تبقى بعض التجارب خارج إطار التفسير العلمي الصارم، لكنها تترك أثراً لا يمكن إنكاره في حياة أصحابها. ما حدث مع ماريان صليبي ليس مجرد حادثة عابرة، بل تجربة تختصر التقاءَ الألم ب الإيمان ، والانتظارَ بالرجاء. وبين من يراها معجزة ومن يفسّرها بطرق أخرى، يبقى السؤال الأعمق: كم من الحالات المشابهة لا تزال تحدث بصمت… وكم من الإيمان لا يزال يصنع الفرق؟

ثمة في اللاهوت المسيحي مفهومٌ عميق يُسمّى "شفاعة القديسين"، وهو ليس توسّلاً بالموتى بالمعنى الحرفي، بل يقينٌ بأن من عاشوا حياتهم كاملةً في الله لا يغيبون بعد الموت، بل يصبحون أكثر قرباً من الحضور الإلهي وأشد قدرةً على الشفاعة. شربل مخلوف الراهب الماروني الذي اختار قبل أكثر من مئة وخمسين عاماً أن يترك كل شيء ويعيش في قلاية منعزلة في أدنى درجات الفقر والصلاة والصوم، لم يكن يبحث عن الظهور بل عن الله وحده. لم يُلقِ في حياته الأرضيّة خطباً، ولم يُؤسّس مدارس؛ اختار الصمت درباً إلى المطلق. غير أن الكنيسة أدركت منذ وقت مبكر أن ذلك الصمت كان أعلى من كل كلام، وأن تلك الخلوة كانت مملوءةً بحضور لا يوصف. لهذا السبب تحديداً تتكاثر المعجزات المنسوبة لشفاعته بعد انتقاله إلى الحياة الأبدية؛ لأن القديس الذي مات عن ذاته كلياً في الحياة هو الذي يستطيع أن يحيا كلياً في الله بعد الممات. ما عاشته ماريان صليبي ليس استثناءً في مسيرة القديس شربل، بل هو امتدادٌ لما يفعله الله عبر شفاعته كل يوم وفي كل مكان: يلمس ما عجز عنه الطب، ويفتح ما أوصدته الأبواب، ويُذكّر الإنسان بأن الكلمة الأخيرة ليست للمرض بل للرجاء. وكما أن القديس شربل أفرغ نفسه من كل شيء ليمتلئ بالله، كذلك الإيمان الحقيقي يطلب من الإنسان أن يُفرغ نفسه من اليقينيات الصغيرة ليتسع لما هو أكبر من كل فهم. قالت ماريان: "إنها نعمة"، وفي هذه الكلمة الواحدة اختصرت اللاهوت كله: النعمة ليست مكافأةً، بل هبةٌ مجانية لا تُشترى؛ هي رحمة الله تتجلّى حيث يتسع القلب لاستقبالها.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا