آخر الأخبار

إيرادات الخزينة تتراجع.. ماذا عن الاستقرار النقدي والدولار ؟

شارك
كتبت" الانباء الكويتية ": تذهب أكثرية الآراء الاقتصادية في الاتجاه القائل إنه يكفي الإعلان عن نهاية أكيدة للحرب في لبنان ، لتشهد البلاد في أقل من شهر عودة للسياحة والتدفقات المالية والاستثمارات والمشاريع الاقتصادية الكفيلة بوضع لبنان من جديد على سكة التعافي من حربين متتاليتين تقدر خسائرها المباشرة وغير المباشرة مجتمعة بنحو 25 إلى 30 مليار دولار، وهو رقم يكاد يلامس رقم الناتج القومي.

ومن مفاعيل الحرب الحالية ماليا، أن إيرادات الخزينة العامة تراجعت حتى اليوم بنسبة 40% بالرغم من عائدات الزيادة الرسمية على سعر صفيحة البنزين لتمويل الزيادة على رواتب العسكريين، وبالتالي فإن موازنة العام 2026 التي كانت ضريبية بامتياز اختلفت توجهاتها وحساباتها منذ اندلاع الحرب في الثاني من مارس بحكم زيادة الإنفاق العام للتعامل مع تداعيات الحرب اجتماعيا في موازاة تراجع مداخيل الدولة.

ويردد وزير المالية ياسين جابر أن ثمة أخطاء لا يجوز ارتكابها في هذه المرحلة بالذات، وأن المطلوب استمرار الاستقرار النقدي وعدم إدخال البلاد من جديد في دوامة التلاعب بالليرة، مضيفا أن أولويات الأزمة الراهنة هي المضي في دفع رواتب القطاع العام، والإبقاء على الاستقرار المالي والنقدي وإيلاء القطاع الصحي عناية خاصة وتسيير المرافق العامة.

وصحيح أن الاستقرار النقدي لا يزال متوافرا حتى اليوم، إلا أن أكثر من مسؤول اقتصادي رسمي يجمع على أن إطالة الحرب واستنزافاتها تحملان مخاطر جدية على الأوضاع المالية والنقدية، وحتى على استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار لاضطرار الدولة لإنفاق أكبر سواء بالليرة أو بالدولار، وحينها سيصبح الحديث عن ضبط الواقع المالي أمرا تخطته القدرات.

وكتبت سلوى بعلبكي في" النهار": ليس مستغرباً في بلد يعيش على إيقاع أزمات متلاحقة، أن يتحول شح الدولار إلى هاجس يومي تتكيف معه السوق تدريجياً، وفقاً للسياسة التي يعتمدها مصرف لبنان في مثل هذه الأزمات.
مع إطالة أمد الحرب، تبرز مخاوف من اختلال هذا التوازن النسبي، إذ تكمن المخاطر في المدى المتوسط، مع تراجع مصادر الدولار، ومنها انخفاض تحويلات المغتربين (لا سيما من الخليج)، وتراجع الإيرادات السياحية بنسبة تتجاوز %75، وضعف الصادرات في بعض القطاعات إلى مستويات شبه معدومة، فضلاً عن انكماش اقتصادي متوقع قد يتجاوز %8. لكن المؤشرات الراهنة لا توحي بانهيار وشيك، بقدر ما تعكس نموذجاً قائماً على ضبط الكتلة النقدية، واستخدام محسوب للاحتياط، وإعادة تدوير الدولارات داخل السوق.
يبلغ احتياط مصرف لبنان من العملات الأجنبية نحو 11.5 مليار دولار، وقد تراجع خلال شهر نيسان بنحو 140 مليون دولار فقط، وهو تراجع محدود نسبياً، إلا أن الصورة تصبح أوضح عند قياس فترة أطول، حيث انخفض الاحتياط منذ منتصف شباط حتى نهاية آذار بنحو 500 مليون دولار.
هذا التراجع ليس مفاجئاً، بل يرتبط مباشرة بالتزامات شهرية ثابتة، أبرزها إعادة جزء من أموال المودعين التي تصل إلى نحو 220 مليون دولار شهرياً عبر التعاميم. ومع إضافة ما يقارب 260 مليون دولار لتغطية مدفوعات القطاع العام، ولا سيما الرواتب والأجور، يصبح مجموع الالتزامات الشهرية نحو 480 مليون دولار، ما يفسر مسار الانخفاض التدريجي للاحتياط. على رغم الرقم الإجمالي للاحتياط، تعود نحو 9 مليارات دولار منه فعلياً إلى أموال المودعين، ما يعني أن الهامش المتاح للاستخدام محدود. في المقابل، تمتلك الدولة سيولة تُقدّر بنحو 1.5 مليار دولار، ما يرفع مجمل الموارد القابلة للاستخدام إلى نحو 2.5 ملياري دولار، وهو مبلغ قد يكفي لتغطية الحاجات الأساسية لفترة تقارب سنة، ضمن الظروف الحالية.
انطلاقاً من ذلك، تؤكد مصادر المصرف المركزي أن "هذه الأموال لن تُستخدم لدعم السلع أو الكهرباء، بل هي مخصصة حصراً لإعادة حقوق المودعين، تفادياً لتكرار سياسات الاستنزاف السابقة". فالكتلة النقدية بالليرة تبلغ حالياً نحو 63 ألف مليار ليرة، أي ما يعادل 700 مليون دولار، وهي في تراجع مستمر مقارنة بمستويات سابقة بلغت 80 ألف مليار ليرة.
هذا الانخفاض الذي يصل إلى نحو 17 ألف مليار ليرة، يعني عملياً تراجع القدرة على المضاربة على الدولار، وتالياً يخف الضغط على سعر الصرف الذي لا يزال مستقراً نسبياً.
ووفق المصادر فإن التنسيق الوثيق بين وزارة المال ومصرف لبنان يساهم في الاستقرار النقدي. فالسياسة المالية الحكيمة التي تعتمدها الوزارة تساعد مصرف لبنان في سياسته المحافظة على الاستقرار النقدي الذي هو ضرورة ملحة في هذه الظروف.
توازياً، يعتمد مصرف لبنان سياسة نقدية قائمة على امتصاص السيولة بالليرة، ما أدى إلى انكماشها في السوق ورفع معدلات الفائدة بين المصارف إلى مستويات راوحت خلال الأيام العشرة الأخيرة بين %50 و%100. ويتزامن ذلك مع زيادة الإقبال على تسديد الضرائب الفصلية، ولا سيما ضريبة القيمة المضافة (TVA).
وقد سجلت إيرادات الدولة في نيسان نحو 450 مليون دولار (المتوقع كان 700 مليون دولار)، لكنها جاءت دون التوقعات، إذ تراجعت بنحو %20 مقارنة بالشهر عينه من العام الماضي، وبأقل من %40 من المستوى الذي كان متوقعاً. ومع ذلك، تبقى هذه الإيرادات عنصر دعم مهم، إذ إن دفع الضرائب بالليرة يحمل المكلفين على بيع الدولار، ما يوفر عرضاً إضافياً في السوق يستفيد منه مصرف لبنان لتعزيز احتياطاته.
وفي ظل استمرار الحرب وتآكل مصادر الدولار، يبقى الاستقرار مرتبطاً بعاملين أساسيين: الأول استعادة الثقة بالنظام المالي، والثاني ضمان دعم خارجي من خلال اتفاق واضح مع المؤسسات الدولية. دون ذلك، قد يتحول هذا الاستقرار "المضبوط" إلى نزف يصعب احتواؤه.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا