آخر الأخبار

إسرائيل تريد استمرار الحرب من دون شهود

شارك
لم تكن الصحافية اللبنانية آمال خليل بحاجة إلى أكثر من ساعاتها الأخيرة لتلخّص المفارقة الدموية التي يعيشها لبنان راهناً. فبينما كان الدبلوماسيون يجتمعون في واشنطن لرسم خرائط المفاوضات، كانت طائرة استطلاع إسرائيلية تحوم فوق بلدة الطيري في قضاء بنت جبيل، تراقب صحافية خرجت لتغطية وقف إطلاق النار، قبل أن تحوّلها إلى خبر يُروى بصيغة النعي. استُهدفت خليل يوم الأربعاء الماضي خلال تغطيتها الأوضاع الميدانية في الجنوب، بعد أيام من سريان الهدنة التي تم التوصل إليها برعاية أميركية. لم تكن الصحافية تخوض معركة، بل كانت تمسك بهاتفها لتوثق المشهد حين أصيبت السيارة التي أمامها بغارة إسرائيلية. لجأت مع زميلتها المصورة زينب فرج إلى منزل مجاور، لكن المسيّرة التي حلّقت فوقهما لم تكن تبحث عن مقاتلين. كانت تعرف اسميْهما، وتنتظر فقط فرصة التنفيذ .
عند الساعة الرابعة والنصف من بعد الظهر، وبعد نحو ساعتين على الاستهداف الأول، أصاب صاروخ المنزل الذي كانتا تحتميان فيه. انهار السقف فوق خليل التي كانت تطلب من زميلتها ألا تتركها وحيدة، بينما كانت فرق الإنقاذ ممنوعة من الوصول إليها تحت التهديد الإسرائيلي المباشر .
توقيت متعمّد
ما يضاعف وطأة هذا الاغتيال أنه جاء في ذروة جولة مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل تُعقد في واشنطن، وهي الأولى منذ أكثر من ثلاثة عقود. يوم الاستهداف نفسه، كانت الأنظار موجهة إلى وزارة الخارجية الأميركية حيث اجتمع السفراء، بينما كانت إسرائيل توجّه رسالة ميدانية لا لبس فيها: التفاوض لا يعني وقف الاغتيالات.
هذه الازدواجية لم تكن وليدة اللحظة. صحيح أن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر تحدث عن "فرصة تاريخية للسلام"، لكن جيشه كان يواصل في التوقيت نفسه إطلاق النار على فرق الإسعاف التي حاولت انتشال جثمان صحافية. عندما تقدّمت سيارات الصليب الأحمر باتجاه المنزل المنهار، أطلقت القوات الإسرائيلية النار عليها وأجبرتها على التراجع . هكذا تُفهم "الدبلوماسية" في السياق الإسرائيلي، حيث تُعقد الجلسات في واشنطن وتُطلق الصواريخ في آنٍ واحد على بلدة حدودية لا يتجاوز عدد سكانها بضعة آلاف. اليد اليسرى توقّع على بيانات التفاهم المشترك، واليد اليمنى تضغط على زناد القتل المحسوب.
سجلّ أسود ممتد
ما حصل في الطيري ليس حادثة شاذة في سلوك الجيش الإسرائيلي. منذ بداية الحرب في تشرين الأول 2023، قتلت إسرائيل عشرات الصحافيين والاعلاميين في لبنان، تسعة منهم سقطوا منذ الثاني من آذار الماضي وحده . وفي غزة، تشير إحصاءات لجنة حماية الصحافيين إلى أن إسرائيل قتلت 262 صحافياً وعاملاً إعلامياً منذ 7 تشرين الأول 2023، ما يجعلها مسؤولة عن أكثر من ثلثي عدد الصحافيين الذين قُتلوا في العالم خلال العامين الماضيين .
المفارقة الصارخة أن أحداً لم يُحاسَب على أي من عمليات القتل هذه. في تقرير نشرته لجنة حماية الصحفيين عام 2023، وثّقت المنظمة 20 حالة قتل لصحافيين على أيدي جنود إسرائيليين خلال 22 عاماً، من دون أن يُوجّه أي اتهام لأي جندي أو ضابط، ومن دون أن يخضع أي منهم للمساءلة . بل إن إسرائيل تعمّدت في حالات عديدة اتهام الصحافيين بأنهم "عناصر فاعلة" في مجموعات مسلّحة من دون تقديم دليل، كما حدث مع الزميل علي شعيب الذي قال عنه الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي إنه عنصر في حزب الله ، قبل أن يُعلن عن مقتله في غارة مباشرة على سيارته .
أما في حالة خليل، فإن ما حصل يفوق مجرد الادعاءات الباطلة. فقد سبق أن تلقت تهديدات مباشرة بالقتل عبر تطبيق واتساب من رقم إسرائيلي خلال تغطيتها حرب 2024. وأحد هذه التهديدات قال لها بالنص: "سنفصل رأسك عن جسدك إذا لم تغادري الجنوب". وكان أدرعي نفسه قد نشر تغريدة قبل أيام من مقتلها يصف فيها صحيفة "الأخبار" التي تعمل فيها بأنها "إعلام إرهابي يتحدث بلسان حزب الله الشيطان"، ما اعتبرته لجنة حماية الصحافيين "تحريضاً" صريحاً .
القانون الدولي في مهبّ النار
ليس سلوك إسرائيل مجرد انتهاك أخلاقي. القانون الدولي واضح في هذه المسألة. المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف تصنّف الصحافيين العاملين في مناطق النزاع كمدنيين، وتمنحهم الحماية ذاتها التي يحصل عليها أي مدني خلال نزاع مسلح دولي أو غير دولي. واستهدافهم المتعمد يمثل خرقاً جسيماً للاتفاقيات، ويُعتبر جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية .
وبالتالي، في متابعة دقيقة لقضية آمال خليل وما تعرضت له، فإنّه يمكن الجزم أن لا خطأ عسكرياً حصل على الارض، بل عملية قتل متعمّدة نُفذت على مراحل وبدقة مراقَبة، وهو ما يرقى وفقاً للقانون الدولي الإنساني إلى جريمة حرب مكتملة الأركان. توجهت خليل وزميلتها المصورة زينب فرج إلى بلدة الطيري لتغطية وقف إطلاق النار، طاردتهما مسيّرة إسرائيلية لأكثر من ساعتين: ضربة أولى لسيارة قريبة، ثم ثانية لسيارتيهما، ثم ثالثة للمنزل المدني الذي احتمتا فيه. التسلسل الزمني ينفي أي "خطأ". المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول واضحة بغضّ النظر عن موقف إسرائيل السياسي من الوسيلة الإعلامية، لكن القوانين، في ظل غياب الإرادة الدولية لفرضها، تتحول إلى مجرد نصوص على ورق. ما قالته اللجنة الدولية للصليب الأحمر في هذا السياق جدير بالتأمل: "النقص الأخطر ليس في القواعد نفسها، بل في الفشل في تطبيق القواعد القائمة وفي التحقيق المنهجي بالمخالفات والمقاضاة والمعاقبة عليها" . والأمثلة العملية تؤكد هذا التشخيص. منذ استهداف المصور عصام عبد الله في علما الشعب عام 2023، أُجريت ستة تحقيقات مستقلة خلصت جميعها إلى أن إسرائيل استهدفت الصحافيين عمداً، لكن لم يُقدَّم أي مسؤول إسرائيلي للمحاكمة .
لماذا الآن؟
يعود السؤال المحيّر: لماذا تغتال إسرائيل صحافية في هذا التوقيت بالذات، بينما يجتمع دبلوماسيوها مع نظرائهم اللبنانيين في واشنطن؟ الإجابة ليست في التقنية العسكرية بل في الاستراتيجية السياسية. المفاوضات بالنسبة للحكومة الإسرائيلية الحالية ليست بديلاً عن الحرب، بل امتداد لها بأدوات أخرى. في حين تطالب بواشنطن بنزع سلاح حزب الله، تواصل عمليات الاغتيال الميدانية لتكريس معادلة جديدة في الجنوب، معادلة لا سقف زمنياً لها ولا حدود جغرافية واضحة .
لم تكن آمال خليل ضحية خطأ في تحديد الهدف. بل كانت صوتاً معروفاً لإعلام يُعتبر معادياً، ومراسلة تُجيد توثيق آثار القصف على المدنيين، وصحافية رفضت التهديدات وغادرت منزلها لتغطي وقف إطلاق النار الذي صدّق به كثيرون. قُتلت وهي تحمل هاتفها، لا سلاحاً. وانتهى بها المطاف تحت ركام منزل صغير في بلدة حدودية، بينما كان العالم يتابع صوراً من طاولة مستديرة في واشنطن حيث جلس الوفدان اللبناني والإسرائيلي وجهاً لوجه، تُقتل صحافية.. هذا يدفعنا للقول:" إسرائيل لا تتفاوض لتنهي الحرب. هي تتفاوض لتستمر الحرب من دون شهود."
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا