آخر الأخبار

الطائف تحت الاختبار وهواجس الشراكة تتصاعد

شارك
يشهد المشهد اللبناني في المرحلة الراهنة تحوّلاً لافتاً مع بروز حراك سعودي متقدّم أعاد ترتيب أولويات المرحلة، ليس فقط من زاوية إدارة الاستقرار الداخلي، بل من خلال محاولة بلورة مقاربة سياسية مختلفة ترسم ملامح ما بعد التصعيد. هذا الحراك لا ينفصل عن شبكة اتصالات إقليمية ودولية، تتقاطع فيها المصالح السعودية مع كل من مصر وفرنسا والولايات المتحدة، في محاولة لإنتاج رؤية مشتركة تمنع الانزلاق الداخلي وتضبط إيقاع أي مسار تفاوضي قبل أوانه.

في هذا السياق، تبرز مقاربة تقوم على تثبيت التوازنات الداخلية، علماً أن زيارة الموفد السعودي الامير يزيد بن فرحان أكدت ضرورة عدم ذهاب السلطة في لبنان إلى مفاوضات غير محسوبة مع إسرائيل ، ولا إلى مغامرة قد تهدد الاستقرار الهش، بل شددت على أولوية إعادة انتظام الداخل وفق مرجعية اتفاق الطائف وأهمية تثبيت مسار التوافق بين الرؤساء الثلاثة. وهذا الطرح يعيد إحياء فكرة التفاهم بين الرئاسات الثلاث، بما يشبه إعادة إنتاج صيغة الترويكا، ولكن بصيغة محدثة لا تتعارض مع النصوص الدستورية ولا تمس بصلاحيات أي موقع، خصوصاً رئاسة الحكومة التي تحظى بحساسية خاصة في المقاربة السعودية. الهدف هنا ليس إعادة إنتاج تجربة سابقة بحذافيرها، بل استعادة الحد الأدنى من التنسيق الذي يسمح بإدارة الدولة ومنع انهيارها أو سقوطها، وهناك خشية سعودية على الطائف، فأي اقتتال داخلي تسعى إليه إسرائيل من شأن تبعاته أن يطيح باتفاق الطائف الذي يجب الذهاب إلى تطبيقه بحذافيره، علماً أن رئيس الحكومة نواف سلام، ووفق ما ينقل عنه، يتمسك بموقف واضح رافض لأي صيغة من الترويكا السياسية، ويؤكد التمسك الحرفي باتفاق الطائف باعتباره الإطار الناظم للعلاقة بين السلطات ولتوزيع الصلاحيات التنفيذية بما يحفظ موقع رئاسة الحكومة ودورها الدستوري. وبالتوازي، سُجلت في الأيام الأخيرة ملاحظات داخل البيئة السنية البيروتية على أداء مؤسسات الحكم، لا سيما في ما يتعلق بصورة السلطة التنفيذية وتوازنها، وسط مقاربة تعتبر أن مشهدية بعبدا تعكس أحياناً عودة إلى نمط من إدارة السلطة يشبه ما قبل اتفاق الطائف، حيث تتوسع صلاحيات رئاسة الجمهورية على حساب ما أرساه الدستور.

وسط كل ذلك، فإن هذا المسار السعودي، على الرغم من طابعه التهدوي، لا يخلو من هواجس، ولا سيما داخل البيئة المسيحية، حيث يتنامى القلق من أي تفاهمات إقليمية محتملة قد تنعكس على الوجود المسيحي من دون ضمان شراكة فعلية. هذه المخاوف تستند إلى تجارب سابقة، حيث شعر جزء من اللبنانيين أن تطبيق اتفاق الطائف جاء انتقائياً، ما أدى إلى اختلال في التوازنات بدل تثبيتها.

وعليه تُقرأ المقاربة السعودية التي تنسج قنوات تواصل مع طهران في بعض الأوساط المسيحية بحذر، خصوصاً في ما يتعلق بالتصورات المطروحة لمستقبل النظام السياسي. فثمة من يرى أن الحديث عن تطبيق إصلاحات الطائف قد يُفضي تدريجياً إلى مسار أوسع يتضمن إلغاء الطائفية السياسية واعتماد مجلس نيابي خارج القيد الطائفي، مقابل حصر الطائفية في الوظيفة العامة بالفئة الأولى، وهو مسار يثير نقاشاً حساساً حول توازنات المشاركة الوطنية. وتزداد حساسية هذا النقاش بالنظر إلى أن الموقع المسيحي في الدولة يمتد من رئاسة الجمهورية إلى مواقع أساسية في المؤسسات العسكرية والأمنية والمالية والقضائية، ما يجعل أي تعديل في بنية النظام أو آليات إنتاج السلطة مسألة تتصل مباشرة بالشراكة الوطنية لا بالتفاصيل التقنية للإصلاح.

من هنا، يتمسك كثير من المسيحيين بقراءة مختلفة للطائف تقوم على أولوية تطبيق اللامركزية الإدارية والمالية كمدخل إصلاحي أساسي، قبل الانتقال إلى بنود أكثر حساسية كإلغاء الطائفية السياسية. كما يربط البعض أي تطوير للنظام بمعالجة مسألة السلاح خارج إطار الدولة، باعتبارها عقدة جوهرية تمس مفهوم السيادة وتوازن السلطة.

في المقابل، تبدو الرؤية السعودية أكثر تدريجية، إذ تنطلق من استكمال تطبيق الطائف كما هو ضمن مسار إصلاحي طويل الأمد. ومن هذا المنطلق، ترفض الرياض الطروحات الفدرالية أو الكيانية، وتدفع باتجاه إعادة بناء الدولة من داخل المؤسسات القائمة لا عبر القفز فوقها. وقد شدد الموفد السعودي يزيد بن فرحان خلال لقائه رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل ورئيس حزب "القوات اللبنانية "سمير جعجع على أهمية تطبيق اتفاق الطائف والمحافظة على الاستقرار الداخلي وحماية الشراكة وقطع الطريق على أي اقتتال داخلي.

غير أن الإشكالية لا تكمن، بحسب أوساط مسيحية، في مضمون الإصلاحات بقدر ما تكمن في آلية إنتاجها. فالتجارب اللبنانية أثبتت أن أي تسوية لا تقوم على شراكة فعلية ومتوازنة تبقى عرضة للاهتزاز. لذلك، فإن أي مسار سياسي جديد، خصوصاً في ما يتعلق بتطبيق الطائف أو تطويره، يحتاج إلى غطاء وطني شامل تكون فيه كل المكونات شريكاً كاملاً في القرار لا مجرد متلقٍ لنتائجه. وعليه، تبرز الحاجة إلى تنظيم الحضور المسيحي في هذه المرحلة، ليس من باب الاصطفاف الطائفي، بل من باب ضمان المشاركة الفاعلة في رسم مستقبل البلاد. وقد تُطرح هنا فكرة إنشاء إطار تنسيقي أو لجنة متابعة تضم القيادات والشخصيات المؤثرة بهدف توحيد الرؤية ومواكبة أي مسار تفاوضي أو تسووي.

في المحصلة، يبدو المشهد مقبلاً على مرحلة دقيقة من إعادة تعريف التوازنات الداخلية، فبين هواجس المكونات، وتباين القراءات حول الطائف، ومحاولات تثبيت الاستقرار عبر تفاهمات خارجية، يبقى التحدي الأساسي مرتبطاً بقدرة الداخل على إنتاج صيغة مشتركة تمنع أي شعور بالاستقواء أو التهميش، وتحفظ في الوقت نفسه جوهر الشراكة التي تأسس عليها الكيان.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا