آخر الأخبار

العدو الذي يخشى الإعلام

شارك
في الحروب، لا تُقاس الخسائر بعدد الضحايا أو بحجم الدمار فحسب، بل بقدرة طرفٍ على فرض روايته كحقيقة وحيدة. ومن هنا تتحوّل "الكاميرا" إلى ساحة مواجهة موازية ويتقدّم الإعلام ليصبح عنصراً حاسماً في مسار الصراع، لذلك يصرّ العدو الإسرائيلي على استهداف الصحفيين، ضمن سياسة ممنهجة هدفها الحدّ مما يوثّقه الإعلام ويكشفه والتحكّم بالصورة التي تصل إلى العالم.

في جنوب لبنان كما في غزة، لم يكن الصحفي خارج الحدث، بل في صلبه، ينقل بالصوت والصورة ما يجري لحظة بلحظة، ويكسر احتكار الرواية التي طالما فُرضت عبر قنوات محددة. ومع تسارع البث المباشر واتساع المنصات الرقمية، لم يعد ممكناً تأخير الحقيقة أو إعادة تركيبها داخل غرف التحرير، إذ فرضت الصورة نفسها بوصفها دليلاً دامغاً، ما جعل من كل كاميرا تهديداً فعلياً للعدو، ومن كل صحفي هدفاً مباشراً.

من الناحية القانونية، يُصنَّف الصحفيون كمدنيين بموجب القانون الدولي الإنساني، وتحديداً "اتفاقيات جنيف " التي تكفل حمايتهم ما لم يشاركوا في الأعمال القتالية، وعليه فإن استهدافهم بشكل مباشر ومتكرر يندرج ضمن جرائم الحرب ويستوجب مساءلة واضحة. غير أن الإشكالية لا تكمن في النصوص بل في غياب الإرادة لتطبيقها، وفي ازدواجية المعايير التي تحوّل القانون إلى أداة انتقائية تُدار وفق الحسابات وتفقد قيمتها عند أول اختبار.

في المقابل، ما عجزت المؤسسات الدولية عن فرضه قانونياً، فرضته الوقائع الموثّقة على الأرض. فمع كثافة التغطية المباشرة وتدفّق المواد المصوّرة، لم يعد ممكناً احتواء ما يُنشر أو إعادة صياغته ضمن سردية واحدة، إذ انتقلت الصورة من موقع التوثيق إلى موقع الإثبات، وأصبحت عنصراً ضاغطاً في تشكيل الرأي العام العالمي، خصوصاً منذ السابع من تشرين الاول 2023، حيث شكّل الحضور الإعلامي نقطة تحوّل في واقع السردية التقليدية وقدرتها على الصمود.

من هنا يتضح أن استهداف الصحفيين في لبنان وغزة يرتبط مباشرةً بتأثير ما كشفه الإعلام، حيث أن الخوف من الإعلام هو في جوهره خوف من فقدان السيطرة على الرواية. ومع تصاعد التغطية الميدانية، واجهت الرواية الإسرائيلية واقعاً موثّقاً يصعب إنكاره، ما دفع العدو الاسرائيلي إلى التعامل مع الصحفيين كأهداف مباشرة، لأن الصورة المباشرة والتوثيق الميداني يقدّمان الوقائع كما هي ويكشفان الجريمة كاملة أمام الرأي العام.

في لبنان، تكرّر استهداف الصحفيين أكثر من مرة ضمن مسار واضح، ومع كل استهداف كان الخطاب الإسرائيلي يُعاد انتاجه بالصيغة نفسها، عبر ربط الصحفيين بجهة عسكرية أو اتهامهم بالانتماء إلى بيئة "معادية" لتقديمهم كأهداف مشروعة، وهي رواية تُستخدم كذريعة لتسويغ الجريمة، رغم أن الاستهداف طال صحفيين معروفين بعملهم الميداني وبوجودهم العلني، ما يجعل هذا الخطاب عاجزاً عن الصمود أمام الوقائع، ويضعه في موقع غطاءٍ مسبق لنهج إجرامي متواصل.

في المقابل، يقدّم الأداء الرسمي اللبناني صورة صادمة من العجز والتخبّط، إذ يفشل في تحويل استهداف الصحفيين إلى ورقة ضغط حقيقية، ويكتفي بمواقف باهتة لا ترقى الى مستوى الجريمة، فيما يتجه إلى مفاوضات مباشرة في ظل اختلال فاضح في موازين القوة، بالتزامن مع استمرار استهداف المدنيين والصحفيين، في مؤشر واضح إلى غياب أي جدية لدى العدو الإسرائيلي الذي يسعى إلى فرض وقائع ميدانية على طاولة التفاوض، ما يجعل هذا المسار أشبه باندفاع مكشوف نحو طاولة بلا شروط ولا قدرة على الفرض، ويحوّله إلى خطوة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات التأثير، وتفتح الباب أمام تساؤلات حول جدوى هذا التوجه وأهدافه الفعلية.

آلة القتل الإسرائيلية تستهدف الصحفيين بوعي كامل، لأن الكاميرا المرفوعة والصوت الصادح وسط العدوان يكشف الحقيقة ويُسقط أي رواية مغايرة، ما يضع الصحفي مباشرة في دائرة الاستهداف. ويبقى السؤال: هل من جدوى لذهاب لبنان الرسمي إلى التفاوض مع عدو إسرائيلي لا تحكمه أي معايير أخلاقية أو إنسانية، ويضرب القوانين الدولية والاتفاقيات عرض الحائط، مستفيداً من غياب المحاسبة؟ وعلى أي أساس يمكن التعامل مع طرف يمارس هذا القدر من الإجرام من دون أي كلفة فعلية؟ إذ إن الذهاب إلى التفاوض في هذه الظروف لا يواجه جرائم العدو بل يفتح الباب أمام تمريرها ومنحها غطاءً يتجاوز الميدان إلى السياسة، فيما يثبت الصحفيون، أنهم في موقع المواجهة الأول، يدفعون حياتهم ثمنًا مباشراً، ويتركون ما يكفي من الأدلة والصور لتبقى الجريمة حاضرة في أذهان الأحرار مهما جرى تجاهلها أو محاولة الالتفاف عليها.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا