احتمال عودة الحرب إلى
لبنان لم يعد مجرد فرضية نظرية، بل بات مرتبطا بجملة عوامل واقعية تتفاعل يومياً على الأرض وفي السياسة منذ ساعات الهدنة الاولى. ورغم استمرار الهدوء النسبي منذ إعلان وقف إطلاق النار، إلا أن هذا الهدوء لا يستند إلى تسوية سياسية حقيقية، ما يجعله هشّاً وقابلاً للاهتزاز عند أول اختبار جدي. ويمكن القول إن عودة المواجهة ترتبط بثلاثة عوامل أساسية، لكل منها قدرة مباشرة على إشعال الوضع من جديد.
العامل الأول يتمثل في احتمال حصول خرق جدي لوقف إطلاق النار من أي طرف، سواء من جانب
حزب الله أو من الجانب
الإسرائيلي . في مثل هذه الحالات، لا يبقى الرد خياراً سياسياً بل يتحول إلى مسألة تتعلق بالردع وفرض التوازن. أي ضربة كبيرة أو عملية نوعية قد تدفع الطرف الآخر إلى رد مماثل، ومع تكرار الردود قد تتدحرج الأمور بسرعة نحو مواجهة أوسع.
التجارب السابقة أظهرت أن الاشتباكات المحدودة قد تتحول خلال ساعات أو أيام إلى حرب واسعة، خصوصاً إذا سقط عدد كبير من الضحايا أو استُهدفت مواقع حساسة. لذلك، فإن أي خرق جدي لن يبقى محصوراً في نطاق ضيق، بل يحمل في طياته خطر الانفجار الشامل.
أما العامل الثاني فيرتبط بإمكانية قيام
إسرائيل بخطوات تصعيدية من دون مقدمات واضحة. هذا السيناريو يصبح أكثر ترجيحاً في ظل الواقع الداخلي المعقد الذي يعيشه رئيس الحكومة
الإسرائيلية
بنيامين
نتنياهو . فالرجل يواجه ضغوطاً سياسية وشعبية كبيرة، ويُنظر إلى نتائج الحرب على أنها لم تحقق الأهداف المعلنة، خصوصاً مع تراجع أوضاع المستوطنات في
الشمال وعودة سكانها سنوات إلى الوراء على مستوى الاستقرار والأمان، كما يقولون. في مثل هذه الظروف، قد يلجأ نتنياهو إلى تصعيد عسكري يعيد خلط الأوراق داخلياً، ويمنحه فرصة لتغيير المشهد السياسي أو تحسين موقعه أمام خصومه.
العامل الثالث والأكثر تأثيراً يرتبط بمصير المفاوضات
الإيرانية – الأميركية. فنجاح هذه المفاوضات قد يساهم في تبريد الجبهات، أما فشلها فقد يفتح الباب أمام انفجار واسع في المنطقة. وفي حال اندلاع مواجهة إقليمية كبيرة، يصبح من الصعب أن يبقى لبنان خارجها، خصوصاً مع ارتباط الساحة
اللبنانية بتوازنات إقليمية معروفة. عندها، من المرجح أن ينخرط حزب الله في المواجهة بشكل كبير، كما حصل في محطات سابقة عندما توسعت الحروب في المنطقة.
يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة، لكن القاسم المشترك بينها هو هشاشة الاستقرار الحالي. فغياب التسوية السياسية، وتداخل العوامل العسكرية والإقليمية، يجعلان أي تطور مفاجئ كفيلاً بإعادة لبنان إلى دائرة النار في وقت قصير.