رغم سيل التصريحات والوعود الرسمية بضبط السوق وحماية المستهلك، يظل شبح الاستغلال والاحتكار جاثماً فوق يوميات اللبنانيين. فالحرب المستمرة وما تخلّفه من أزمات لم تمنع بعض التجار والمستوردين وأصحاب المولدات من تحويل المعاناة إلى فرصة للربح السريع، عبر رفع الأسعار وفرض أعباء غير مبررة. وبينما تؤكد الدولة أنها لن تتساهل مع المخالفين، تكشف شكاوى المواطنين الواقع الحقيقي للاستغلال والاحتكار.
يواجه
لبنان اليوم موجة غلاء تضرب أساسيات الحياة اليومية.
ويؤكد الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين عبر "لبنان٢٤" ان المتوسط الشهري للرواتب لا يتجاوز 450 دولاراً، أي نصف ما كان قبل الأزمة، فيما تكاليف المعيشة تضاعفت بشكل يهدد القدرة على البقاء: البنزين ارتفع بنسبة 75%، المازوت 85%، الإيجارات 100%، والاشتراكات الكهربائية 33%. حتى الغذاء، الذي ارتفع بنسبة 12 إلى 15%، لم يعد المؤشر الأبرز، لأن المأساة الحقيقية تكمن في السكن والتنقل والإنارة، أي في مقومات الاستمرار ولاسيما مع موجة النزوح الكبيرة من جراء الحرب التي تخطت المليون ونصف مليون نازح.
الاقتصاد تشدد الملاحقات بوجه المتلاعبين بالأسعار
تتعامل
وزارة الاقتصاد مع الشكاوى والحالات المخالفة بجدية، ولا سيما تلك المرتبطة بالاحتكار أو رفع الأسعار بشكل غير مبرر. وبعد إحالة 29 شركة، من مستوردين وموزعين وأصحاب مؤسسات تجارية وأصحاب مولدات كهربائية، إلى
النيابة العامة المالية، على خلفية مخالفات جسيمة مرتبطة بالتلاعب بالأسعار وتحقيق أرباح غير مشروعة، اكد
وزير الاقتصاد عامر البساط في حديث عبر "لبنان٢٤"، أن هذه الخطوة ليست الا البداية، والرقابة لن تتوقف وأن الحملات والملاحقات ستستمر لتشمل كل المناطق والأقضية
اللبنانية .
واوضح البساط، انه ومنذ بداية الحرب، ولغاية ١٠ نيسان، نفّذت الوزارة 2,520 زيارة كشف ميداني.
سطّرت 130 محضر ضبط وأحالت 142 محضراً إلى
القضاء المختص.
واستجابت لـ 176 شكوى.
اما منذ بداية العام، فنفّذت الوزارة 5,624 زيارة كشف ميداني وسطّرت 276 محضر ضبط وأحالت 440 محضراً إلى القضاء.
واستجابت لـ 371 شكوى.
وانطلاقاً من أن ارتفاع أسعار المحروقات يشكّل عاملاً أساسياً ينعكس مباشرة على مختلف القطاعات والأسعار في السوق، سأل "لبنان٢٤" وزير الاقتصاد عن سبب عدم تدخل الوزارة لدعم قطاع المحروقات أو المساهمة في ضبط كلفته، نظراً لتأثيره الواسع على كلفة المعيشة، فجاء رد الوزير ليؤكد أن قدرة الدولة محدودة في ظل الموارد المالية المتاحة، لذلك لا يمكن دعم قطاع المحروقات بأي شكل من الأشكال، إلا أن وزارة الاقتصاد تسعى ضمن الإمكانات المتوفرة، إلى دعم عمل القطاع الخاص بشكل منظّم.
الاقتصاد يترنّح تحت وطأة الحرب
ويلفت مصدر اقتصادي عبر "لبنان٢٤" الى ان ملامح التراجع الاقتصادي تبدو واضحة مع اتساع رقعة الحرب، حيث تُقدّر الخسائر الشهرية بنحو ملياري دولار، فيما يتجه القطاع الخاص إلى انكماش قد يصل إلى 50% في عدد من القطاعات الأساسية.
ويضيف ان تداعيات الحرب لا تقتصر على الاقتصاد الكلي، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية والمعيشية، مع ازدياد عدد
النازحين الى اكثر من مليون شخص، وارتفاع البطالة إلى ما يتجاوز 45%، إلى جانب توقعات بوصول التضخم إلى حدود 35%، ما يعني تآكلاً إضافياً في القدرة الشرائية للأسر اللبنانية.
وفي موازاة ذلك، تتفاقم الضغوط على السيولة مع تراجع التحويلات وتراجع الإيرادات وارتفاع الطلب على العملات الأجنبية، ما يخلق فجوة تمويلية تُقدّر بحوالى 5 مليارات دولار.
إلى جانب استمرار الحرب الدامية وما تخلّفه من دمار وخسائر بشرية، يعيش المواطن حرباً اقتصادية موازية بدأت عام 2019 ولم تنتهِ، بل زادت شراسة، سلاحها الأسعار وجبهتها لقمة العيش، في ظل تآكل مستمر في القدرة الشرائية وارتفاع يلتهم تفاصيل الحياة اليومية.