صدر قبل قليل بيان عن رئاسة الجمهورية اللبنانية حول التفاوض مع اسرائيل، ويشير البيان إلى نقطة بالغة الحساسية في مسار التطورات الحالية، بعدما تحدث بشكل صريح عن أن التفاوض الذي سيُعقد يوم الثلاثاء في واشنطن بين إسرائيل ولبنان سيتناول مسألة وقف إطلاق النار. هذا التوصيف، بحد ذاته، يحمل دلالة واضحة على أن الجولة الأولى من المفاوضات ستُعقد فيما العمليات العسكرية لا تزال مستمرة، أي أن التفاوض سيتم عملياً تحت النار، وليس بعد تثبيت هدنة أو تهدئة ميدانية.
هذه الإشارة تفتح الباب أمام قراءة أوسع للبيان، ليس فقط من زاوية مضمونه، بل أيضاً من زاوية توقيته وما قد يحمله من ثغرات سياسية وإعلامية. فبعيداً عن الحسابات الداخلية والتوازنات الاقليمية المعقدة، يبدو أن هناك ثغرة أساسية قد تضع
العهد في
لبنان أمام مأزق حقيقي، خاصة إذا ما تبدلت الوقائع الدبلوماسية خلال الساعات المقبلة.
أول ما يلفت الانتباه هو أن الحكومة والعهد كان لديهما، وفق المعطيات المتداولة، فرصة جدية لتقديم نفسيهما على أنهما الطرف الذي نجح في دفع مسار وقف إطلاق النار، أو على الأقل ساهم في تهيئة الظروف السياسية التي قادت إليه. إلا أن المؤشرات توحي بأن إسرائيل لم تتجاوب مع هذا المسار بالشكل الذي كان مأمولاً، ما أضعف قدرة الدولة اللبنانية على تسجيل إنجاز سياسي أو إعلامي واضح في هذا الملف.
ومن هنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: ماذا لو استطاعت
إيران الاستحصال على وقف إطلاق نار في لبنان قبل بدء مفاوضاتها المرتقبة في اسلام اباد؟ هذا الاحتمال، إن تحقق، ستكون له تداعيات مباشرة على المشهد الداخلي اللبناني.
إعلامياً، ستتمكن إيران من تسجيل نقطة واضحة في مرمى الدولة اللبنانية، إذ سيُنظر إليها على أنها الطرف الذي فرض إيقاع التهدئة، فيما بدت الدولة عاجزة عن تحقيق النتيجة نفسها.
سياسياً، قد ينعكس هذا السيناريو على خطاب"
حزب الله "، الذي طالما ربط بين الجبهات المختلفة في المنطقة. فإذا ما تحقق وقف إطلاق النار بضغط أو دور إيراني مباشر، فسيُعتبر ذلك دليلاً على نجاح هذا النهج، ما يمنح الحزب هامش حركة أوسع داخلياً، انطلاقاً من فكرة أن قوة الردع التي توفرها إيران هي العامل الأساسي في منع الحرب عنه.
في المقابل، تبدو الساعات الحالية حاسمة على مستوى الصراع السياسي الموازي للميدان. فقبول رئيس الحكومة
الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بالدخول في مسار تفاوضي، يمكن قراءته كمحاولة للالتفاف سياسياً على طهران داخل الساحة اللبنانية. هذا التطور ادى الى ما يشبه تحدي الإرادات بين الطرفين، خاصة أن المواقف
الإيرانية المعلنة، وحتى الرسائل غير العلنية، ما زالت تؤكد، حتى كتابة هذا المقال، أنهم لن يباشروا أي تفاوض فعلي قبل وقف الحرب في لبنان، ولا سيما في
بيروت والضاحية الجنوبية ، حيث يبقى احتمال حصول مناوشات متكررة قائماً في القرى الأمامية بسبب الوجود الاسرائيلي.
في ضوء كل ذلك، يمكن القول إن بيان الرئاسة، قد يتحول إلى نكسة سياسية إذا ما جاءت الوقائع الميدانية معاكسة لما ألمح إليه. فالأداء الإعلامي والسياسي في مثل هذه اللحظات الدقيقة لا يقل أهمية عن التطورات العسكرية، وأي قراءة غير دقيقة لتسلسل الأحداث قد تكلف الدولة خسارة فرصة إقناع اللبنانيين بأنها كانت الطرف الذي نجح في انتزاع وقف الحرب عبر المسار التفاوضي.