في قرارٍ يحمل أبعادًا دستورية وسياسية بالغة الأهمية، حسم المجلس الدستوري الجدل القائم حول التمديد لمجلس النواب، بردّه بالإجماع الطعون المقدّمة من “القوات اللبنانية” و“ التيار الوطني الحرّ” وعدد من النواب التغييريين. وبين تثبيت واقع التمديد في ظلّ الظروف الاستثنائية، والتشديد على عدم جواز تحوّله إلى قاعدة دائمة، رسم المجلس معادلة دقيقة تقوم على التوازن بين الضرورة والشرعية.
فالقرار لم يكتفِ بإسقاط الطعون، بل حمل في طيّاته رسالة واضحة مفادها أنّ التمديد يبقى إجراءً استثنائيًا ومؤقتًا، يرتبط حصرًا بزوال أسبابه. ومن هنا، جاء تأكيد المجلس أنّ تقصير الولاية الممدّدة هو موجب وطني ودستوري، ما يضع القوى السياسية أمام مسؤولياتها في العودة إلى المسار الديمقراطي الطبيعي فور انتفاء الحالة الطارئة.
وفي السياق، رأى المحامي والأستاذ الجامعي الدكتور عادل يمين لـ“
لبنان 24” أنّ الهدف الأساسي من رفض الطعون لم يكن تبرير التمديد لذاته، بل منع وقوع فراغ في السلطة التشريعية في ظرف اعتبره المجلس استثنائيًا وخطيرًا، يهدد الانتظام العام والأمن واستمرارية المؤسسات الدستورية، مع تغليب مبدأ استمرارية
الدولة على التطبيق الحرفي لمبدأ دورية الانتخابات، ضمن منطق “الشرعية الاستثنائية”، والإقرار بأن أصل التمديد هو خروج عن
القاعدة الدستورية، لكنه خروج مبرَّر قسرًا بالواقع، لا خيارًا سياسيًا عاديًا. وبالتالي، فإن رفض الطعون لا يعني اعتبار التمديد “طبيعيًا” أو “محمودًا”، بل “مقبولًا اضطراريًا” ضمن حدود مؤقتة.
لكن يبقى من الجدير التساؤل، بحسب الدكتور يمين، لماذا لم يذهب المجلس الدستوري إلى خيار إبطال قانون التمديد مع حثّ المجلس النيابي على وضع قانون تمديد لفترة أقصر، على الرغم من أنّه أقرّ بأنّه “كان من الأفضل لو حصل التمديد الاستثنائي لفترة أقصر، يعيد بنهايتها المجلس النيابي تقييم الوضع واتخاذ ما يراه مناسبًا”، أو حتى التوسّع في صلاحية الإبطال الجزئي من خلال تطبيقها على جزء من مدة التمديد. كما يُطرح تساؤل حول الضمانة الدستورية والعملية لقيام البرلمان بتقصير الولاية الممدّدة لدى زوال الظروف الاستثنائية.
ويشير يمين إلى أنّ المجلس يبرّر قراره عبر ثلاث ركائز مترابطة:
1- ثبوت وجود ظروف استثنائية وقوة قاهرة، ربطًا بـ“التطورات الأمنية والعسكرية الخطيرة والمتسارعة التي يشهدها لبنان”، وبالظرف الإقليمي الراهن الذي وصفه المجلس الدستوري بمرحلة “صدمة استراتيجية سريعة الإيقاع تؤدي إلى تغيّر معطيات الأمن الوطني خلال مدة زمنية قصيرة، بما يفرض على القوى المسلحة والأجهزة الأمنية تكثيف الانتشار والاستنفار وتوجيه الموارد إلى متطلبات الأمن والدفاع”، في حين أنّ الاستحقاق الانتخابي يتطلب توافر حد أدنى من الاستقرار الأمني وحرية التنقل والاجتماع والتعبير. فضلًا عن أنّ إجراء الانتخابات في ظل بيئة توتر مرتفعة قد يؤدي إلى نشوء ما يُعرَف في الفقه الدستوري بحالة “الشرعية المتنازع عليها”. وقد اعتبر المجلس أنّ الحرب المستمرة منذ 8 تشرين الأول 2023، واتساع رقعتها منذ آذار 2026، والنزوح الواسع (أكثر من 1.5 مليون نازح)، وتدمير بلدات وبنى تحتية، وتحويل مدارس رسمية إلى مراكز إيواء، تجعل إجراء انتخابات حرة ونزيهة مستحيلًا واقعياً، لا مجرد صعب أو محفوف بالمخاطر.
2- مشروعية اللجوء إلى “الشرعية الاستثنائية”، حيث أكّد المجلس اجتهاده المستقر بأنّه في الظروف الشاذة والخارقة يمكن للمشرّع الخروج مؤقتًا عن بعض القواعد ذات القيمة الدستورية، بهدف حماية الانتظام العام واستمرارية المرافق والمؤسسات، مع التشديد على أنّ هذه الشرعية الاستثنائية تحلّ محل الشرعية العادية طالما استمرت الظروف فقط.
3- اعتبار التمديد متناسبًا مع الغاية، رغم إقراره بأن التمديد لسنتين ونحوها يشكّل قيدًا خطيرًا على حقوق الاقتراع والترشّح، إلا أنّ المجلس رأى أنّه لا توجد مؤشرات واقعية على زوال قريب للحرب، وأن التحضير للانتخابات بعد زوال الظرف يحتاج وقتًا إضافيًا، وأن الانتخابات في مناخ الحرب والنزوح تُشوّه الإرادة الشعبية بدل أن تعكسها، فاعتبر أنّ التمديد، في اللحظة الراهنة، يدخل ضمن “القيود المعقولة” على الحقوق السياسية.
وعليه، يمكن القول، بحسب يمين، إن العلاقة بين التمديد والظروف الاستثنائية في القرار هي علاقة عضوية ومشروطة؛ فالتمديد ليس مستقلاً بذاته، وهو معلّق حكمًا على استمرار هذه الظروف. وقد قال المجلس بوضوح إن التمديد “مبرر من ناحية المبدأ” بسبب هذه الظروف، ولا يستقيم خارجها. أي أنّ زوال الحرب يعني زوال مبرر التمديد، واستمرار التمديد رغم زوالها يعني انقلابًا على الدستور.
ويؤكد يمين أنّ المجلس الدستوري حاول مراعاة معادلة تقوم على الاعتراف بالقاعدة: دورية الانتخابات، وسيادة الشعب، وتداول السلطة؛ والاعتراف بالاستثناء: الحرب تعطل التعبير الحر عن الإرادة الشعبية، وأن الانتخابات ليست هدفًا شكليًا بل آلية ديمقراطية فعلية. وقد رسم المجلس حدًا فاصلاً، إذ لم يمنح تفويضًا سياسيًا مفتوحًا، بل حمّل مجلس النواب واجبًا دستوريًا إيجابيًا يتمثل في تقصير الولاية تمهيدًا للدعوة إلى الانتخابات فور زوال الظرف. وهكذا حاول القرار منع تحوّل الضرورة إلى ذريعة دائمة.
وتكمن أهمية ربط نهاية التمديد بزوال الظروف، بحسب يمين، في التأكيد أنّ موعد 31 أيار 2028 ليس “حقًا مكتسبًا”، بل سقفًا زمنيًا أقصى، ما يُبقي التمديد استثنائيًا وهشًّا دستوريًا وقابلًا للاختصار فورًا، ويحوّل مجلس النواب من “مستفيد” إلى “مُلزَم”، أي أنّه مطالب بالتخلي عن التمديد متى زال سببه.
ويبقى السؤال حول المخاطر الدستورية المحتملة في حال استمرار التمديد. إذ لم يُخفِ المجلس الدستوري، كما يشير الدكتور يمين، هذه المخاطر، وإن لم يفصّلها صراحة، وأبرزها: تحويل الاستثناء إلى قاعدة، أي ترسيخ سابقة بأن الحروب أو الأزمات تبرر تعليق الدستور زمنيًا بلا سقف؛ مصادرة متواصلة للسيادة الشعبية؛ ضرب مبدأ الفصل بين السلطات؛ واهتزاز الشرعية الداخلية والدولية للبرلمان، ما قد يُدخل البلاد في “شرعية متنازع عليها” كما حذّر المجلس نفسه.
وليس بعيدًا، يقول الخبير الدستوري الدكتور جهاد إسماعيل لـ“لبنان 24” إنّه من الثابت أنّ المجلس الدستوري، في قراره ردّ الطعون المقدّمة ضد قانون التمديد، اعتبر أنّ البلاد ترزح ضمن ظروف استثنائية، إلا أنّه، في الوقت نفسه، رأى أنّ مدة التمديد لا تتناسب مع مدة هذه الظروف، ما دفعه إلى تسجيل تحفظ تفسيري في متن الفقرة الحكمية، بهدف حماية القانون من الشوائب الدستورية. وقد قضى هذا التحفظ بوجوب تقصير ولاية مجلس النواب فور زوال الظروف الاستثنائية، أي تأكيد ضرورة تحديد موعد جديد للانتخابات النيابية بقانون جديد.
وعملًا بأحكام المادة 13 من قانون إنشاء المجلس الدستوري، تتمتع قراراته بقوة القضية المقضية، وهي ملزمة لجميع السلطات، بما فيها مجلس النواب، الذي يتوجب عليه، بحسب إسماعيل، الانعقاد فور انتهاء الظروف الاستثنائية، وإقرار قانون جديد يرمي إلى تقصير ولاية المجلس، التزامًا بهذه القوة الإلزامية.