في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في 27 يناير/كانون الثاني 2026، ضبط العلماء في جمعية علماء الذرة عقارب "ساعة نهاية العالم" إلى 85 ثانية قبل منتصف الليل. وساعة نهاية العالم مؤشر أنشأته الجمعية عام 1947، بعد عاميْن من إلقاء قنبلتيْن نوويتيْن على اليابان، وتشير مجازًا إلى مدى اقتراب البشرية من البناء بسبب كارثة نووية أخرى، وهي المقصودة بـ"منتصف الليل".
يعد هذا الرقم، 85 ثانية، هو التوقيت الأقرب للكارثة في تاريخ تلك الساعة الافتراضية. ففي عام 1947، إبَّان بدايات الحرب الباردة، ضُبطَت الساعة عند سبع دقائق قبل منتصف الليل نتيجة التوتُّر الأمريكي السوفياتي، وفي عام 1953، اقترب عقرب الساعة إلى دقيقتيْن قبل منتصف الليل، بسبب تجارب الأسلحة النووية الحرارية التي أجرتها واشنطن وموسكو.
وفي عام 1991، بعد نهاية الحرب الباردة، ابتعدت العقارب أكثر عن منتصف الليل وأصبحت 17 دقيقة، في إشارة إلى ابتعادنا عن الخطر النووي كما يُفترض بسبب معاهدات خفض الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة وروسيا. ولكن في السنوات الأخيرة، وبعد أن تزايدت الصراعات العسكرية في شرق أوروبا والشرق الأوسط وتداخلت مع البنية التحتية النووية، باتت العقارب تبتعد بالثواني عن "منتصف الليل". ومنذ عاميْن فقط، تحطَّم الرقم القياسي لعام 1953، وبِتنا -مجازًا- على بُعد 89 ثانية من منتصف الليل، ثم 85 ثانية هذا العام.
"ساعة نهاية العالم مؤشر أنشأته جمعية علماء الذرة عام 1947، وتشير مجازًا إلى قُرب العالم من الفناء بسبب كارثة نووية"
بيد أن الخطر الذي حرَّك عقارب الساعة المجازية تلك لا يقتصر على إلقاء القنابل، بل اتَّسع نطاقه وبات يشمل الآثار الكارثية الناجمة عن الاستهداف المُتعمَّد لمحطات الطاقة النووية، وهي كارثة كُتِب عنها قبل حوالي 40 عامًا. ففي عام 1985، ألَّف الدكتور بينيت رامبرغ، المسؤول السابق بوزارة الخارجية الأمريكية والخبير في انتشار السلاح النووي، كتابه "محطات الطاقة النووية كأسلحة للعدو"، شارحًا كيف يمكن لقصف "مفاعل نووي" باستخدام قنابل وأسلحة تقليدية، أن يُطلق مواد مشعة تمتد آلاف الأميال، وكيف أن الأسلحة التقليدية يُمكنها إحداث تأثير نووي دون الحاجة لإلقاء قنبلة ذرية.
كانت سفيتلانا أليكسييفيتش، الكاتبة الأوكرانية الحاصلة على جائزة نوبل في الأدب عام 2015، قد لاحظت الأمر نفسه أثناء رحلة جمع شهادات الناجين من حادثة انفجار المفاعل النووي تشرنوبل، والتي أطلقت عليها اسم "بروفة نهاية العالم" في كتابها "صلاة تشرنوبل" (Chernobyl Prayer). تقول سفيتلانا إنه لا فرق بين القنبلة الذرية التي ألقيت على هيروشيما، وبين انفجار محطة تشرنوبل الأوكرانية، التي استخدمت في توليد الطاقة لتلبية احتياجات المجتمع دون غرض عسكري. كلا الحدثين أفضى إلى نتائج إنسانية كارثية، جعلت الإنسان يقف عاجزًا في لحظة أمام التكنولوجيا التي صنعها بنفسه.
تصف سفيتلانا ليلة 26 أبريل/نيسان 1986، قائلة إنه في الساعة الواحدة و23 دقيقة و58 ثانية تماما، دمَّرت سلسلة من الانفجارات المفاعل في المبنى الذي كان يحوي وحدة الطاقة الرابعة في محطة تشرنوبل. كانت النتيجة ضياع 485 قرية ومنطقة سكنية، دُفِنَت عمليا تحت الأرض إلى الأبد. كانت مفاعلات تشرنوبل تستخدم الماء كمُبرِّد، إلا أن وحدة التبريد تعطَّلت داخل المفاعل نتيجة انقطاع التيار الكهربائي، ما أدى لارتفاع الضغط وزيادة درجة الحرارة داخل قلب المفاعل.
"لا فرق بين القنبلة الذرية التي ألقيت على هيروشيما، وبين انفجار محطة تشرنوبل. كلا الحدثين أفضى إلى كارثة إنسانية"
اضطرَّت السلطات السوفياتية إلى نقل مئات الآلاف من سكان الأماكن المُتضرِّرة، وإزالة مساحات الأراضي الزراعية والغابات التي طالها الإشعاع، ضمن إجراءات اتُّخِذَت للحدِّ من آثار التلوث التي استقرت في التربة، وقد استدعوا قرابة 600 ألف عامل للقيام بهذه المهمة القاتلة. كما جرى بناء سد ضخم أشبه بتابوت حجري وُضع فوق وحدة الطاقة الرابعة لمنع تسرُّب الوقود النووي، وقد تم تثبيته باستخدام المروحيات حتى لا يقترب أي إنسان من الموقع المُشِع والمُمِيت.
"تطاردنا مشاهد كهذه في ساحات الحروب الحديثة، غير أن العاملين ضمن جهود مكافحة التلوث الإشعاعي لن يستطيعوا أن يخففوا من آثار الانفجار إذا ما حدث أثناء معركة عسكرية، لأنهم سيُصبحون عرضة للقصف واستهداف الغارات الجوية للعدو". بهذه الكلمات رسم بينيت رامبِرغ واقعا قاتما لمستقبل الحروب والنزاعات المسلحة في عصر الطاقة النووية، في مقال نشر يوم 14 فبراير/ شباط 2022، قبل أيام من اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. وحذَّر رامبِرغ من أن تتحول المواقع النووية إلى ساحة للمعارك، ما يعيق جهود مُفتِّشي الطاقة الذرية عن القيام بأدوارهم في التنبؤ بطبيعة المواد المنبعثة أو تحديد مستويات التلوث الإشعاعي.
"انتقد رامبرغ تحويل المفاعلات النووية إلى أهداف عسكرية بغرض التصعيد أو تحقيق الردع"
وقد انتقد رامبرغ تحويل المفاعلات النووية إلى أهداف عسكرية بغرض التصعيد أو تحقيق الردع. إذ إن الحرب الأوكرانية، ثم حرب أمريكا وإسرائيل على إيران، تُجسِّدان هذا التطوُّر في السنوات الأخيرة. ويقول رامبرغ إن مثل هذه الحروب تتضمن نمطًا عملياتيًا باتت معه منشآت الطاقة النووية نوعًا من "القنابل القذرة" المُوجَّهة ضد السكان، بما يُهدِّد مساحات جغرافية كبيرة، ويجعلها عُرضة للتحوُّل إلى مُدن أشباح غير صالحة للحياة. هل صار شبح تشرنوبل إذن عقيدة عسكرية بعد أن كان مجرد حادثة مأساوية؟
"إن الدولة التي تمتلك محطات طاقة نووية على أراضيها، تضع أسلحة دمار شامل بين يدي أعدائها"
بواسطة بينيت رامبِرغ - مسؤول سابق بوزارة الخارجية الأمريكية
في هدوء ليل الثلاثاء الموافق 17 مارس/آذار 2026، سقط مقذوف في موقع محطة بوشِهر للطاقة النووية في إيران. لم تبلغ السلطات الإيرانية عن وقوع إصابات أو أضرار فنية بالمفاعل النووي. ورغم ذلك، كانت تلك هي اللحظة الحاسمة التي خرجت فيها الحرب الأمريكية الإسرائيلية عن السيطرة، بحسب الخبير الأمريكي دوغلاس بنداو. بعدها تعرَّض بوشهر لثلاث ضربات عسكرية أخرى على الأقل آخرها يوم 4 أبريل/ نيسان الحالي، ما استدعى من الوكالة الدولية أن تدق ناقوس الخطر، مُحذِّرة من سيناريو كارثي يشبه تشرنوبل، إذا ما استمر استهداف المنشآت النووية.
منذ بدء الحرب الجارية، استهدفت الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية منشآت إيران النووية المُوزَّعة في وسط البلاد وغربها، ورصدت صور الأقمار الصناعية الأضرار البالغة التي تعرض لها مُجمَّع أصفهان للتكنولوجيا النووية، ومنشأة أراك المتخصصة في إنتاج الماء الثقيل، كما طالت الضربات مجمع أردكان المسؤول عن استخراج اليورانيوم وتحويله إلى "الكعكة الصفراء" (Yellowcake)، وهي أول مرحلة في دورة الوقود النووي. أضف لذلك تعرُّض منشأة نطنز لثلاث استهدافات على الأقل بقنابل خارقة للتحصينات.
كان الهدف من هذه الضربات تعطيل البنية التشغيلية لأجهزة الطرد المركزي، وإحداث شلل يطيل الفارق الزمني اللازم لإيران لتطوير السلاح النووي. ورغم تبعات استهداف المنشآت النووية في نطنز وأراك وأصفهان، تظل محطة بوشهر هي مكمن الخطر الأساسي، وفقًا للمحلل العسكري مايكل شنايدر، المتخصص في دراسة قضايا الطاقة النووية. فالمحطة التي تقع في جنوب إيران بمحاذاة الخليج العربي، يُهدِّد استهدافها المنطقة كلها لا إيران فحسب.
بدأ العمل في بوشهر منذ سبعينيات القرن الماضي، وبعد سنوات من العرقلة والتعطيل، افتُتِح المفاعل عام 2011، وأصبح بإمكانه توليد الطاقة الكهربائية بقدرة 1000 ميغاواط. وبذلك أصبحت محطة الطاقة النووية الوحيدة قيد التشغيل، والتي تحتوي على آلاف من الكيلوغرامات المشعة، أخطر المواقع النووية الإيرانية. ويقول شنايدر: "إذا انقطعت إمدادات المياه والكهرباء عن المحطة، ستتعطل وحدة التبريد، وقد ينفجر قلب المفاعل في غضون ساعة".
"إذا انقطعت إمدادات المياه والكهرباء عن محطة بوشهر، ستتعطل وحدة التبريد، وقد ينفجر قلب المفاعل في غضون ساعة"
بواسطة مايكل شنايدر - محلل عسكري متخصص في الطاقة النووية
لم تتمكَّن الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة من الوصول إلى المنشآت النووية الإيرانية، سواء تلك التي استهدفتها أمريكا وإسرائيل في حرب يونيو/حزيران 2025، أو في الحرب الحالية (قبل وقف إطلاق النار). ومن ثمَّ فإن التأثيرات الصحية والبيئية الفورية وطويلة الأمد غير معروفة، لكن وفقًا لتصريحات المسؤولين الإيرانيين والإسرائيليين، تقع مستويات الإشعاع ضمن المعدلات الطبيعية حتى الآن.
لا يقتصر هذا النمط في استهداف المواقع النووية على الحرب الإيرانية وحدها، بل شهدته أيضًا العمليات العسكرية في أعقاب حرب روسيا ضد أوكرانيا عام 2022. فقد استهدفت الصواريخ الروسية محطة زاباروجيا الأوكرانية، الأكبر في أوروبا، وكتب هنري سوكولسكي، المسؤول السابق بوزارة الحرب الأمريكية عن السياسة النووية، إن زاباروجيا باتت أشبه بقنبلة "مُشِعَّة" موقوتة. فقد ألحق القصف أضرارًا بالغة بالمبنى الذي يضم الوقود النووي والنفايات المشعة، كما تعطَّلت أنظمة التبريد، ما جعل سوكولسكي يحذر من سيناريو كارثي، أسوأ من تسريب مفاعلات فوكوشيما اليابانية عام 2011، التي أدت إلى إشعاعات ذرية خطيرة تسببت في إجلاء 150 ألف ياباني.
بالمثل، أطلقت أوكرانيا في أغسطس/آب 2025، أكثر من 95 مُسيَّرة استهدفت محطة كورسك الروسية للطاقة النووية، وأصابت الهجمات محول كهربائي، ما أدى إلى انخفاض القدرة التشغيلية لإحدى وحدات المحطة بنسبة 50%. وفي أكتوبر/تشرين الأول، أبلغت روسيا عن تعرُّض برج للتبريد في محطة "نوفو فورونيج" للطاقة النووية لهجوم بطائرة مُسيَّرة.
طوال النزاعات التي شهدتها السنوات الست الأخيرة، حذرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية من استهداف المنشآت النووية كسلاح في الحرب، لكن رامبرِغ وسوكولسكي أشاروا في تصريحاتهم إلى وجود تناقض واضح فيما يخص الاتفاقيات الدولية المتعلقة باستهداف محطات الطاقة النووية، فرغم أن المادة 56 لبروتوكول جنيف الإضافي لسنة 1977، تحظر صراحة الهجوم على المحطات النووية لتوليد الكهرباء، فإنها تستثني حماية المنشآت في فقرة تالية، في حال كان هذا السبيل الوحيد لإنهاء الصراع.
"جورج أطلب منك قصف المحطة"، بهذه الكلمات يروي رامبِرغ المكالمة الهاتفية المثيرة التي تلقاها الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في صيف عام 2007 من رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، داعيًا إياه لضرب مفاعل نووي في دير الزور شرقي سوريا. وبالفعل، في 5 سبتمبر/أيلول 2007، دمَّرت إسرائيل المنشأة السورية قيد الإنشاء في عملية عسكرية سرية استُخدِمت فيها طائرات أمريكية من طراز "إف-15" و"إف-16″، وذلك بعد مرور 26 عامًا على استهداف مفاعل أوزيراك العراقي عام 1981.
يقول علي أصغر سلطانية، ممثل إيران السابق لدى وكالة الطاقة الذرية، إن عملية "أوبرا" التي شنتها إسرائيل ضد العراق، وعُرِفت بالاسم الرمزي "بابل"، شكَّلت نقطة تحول رئيسية في الحروب الحديثة وتاريخ الطاقة النووية، فهي التي أدخلت نمط استهداف المنشآت النووية بضربات عسكرية استباقية، وبررت هذا الاستهداف بدعوى "الدفاع الوقائي عن النفس"، أي اتخاذ إجراءات استباقية للحيلولة دون تطوير سلاح نووي.
"العملية أوبرا التي شنتها إسرائيل ضد العراق، شكَّلت سابقة لاستهداف المنشآت النووية بضربات عسكرية استباقية"
لسنوات تمحور الأمن القومي الإسرائيلي على استراتيجية "الردع الاستباقي"، فقد سعت إسرائيل منذ خمسينيات القرن الماضي لأن تصبح الدولة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط، وبعد أن طورت ترسانتها النووية سرًا وصارت أحد الدول التسع التي تمتلك أسلحة نووية في العالم، اتخذت إجراءات وقائية لمنع أي دولة تراها مُعادية من تطوير برنامج نووي. وسُمِي هذا المبدأ الأمني والاستراتيجي باسم "عقيدة بيغن"، نسبة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، الذي أشرف بنفسه على استهداف أوزيراك.
لكن إذا كانت الهجمات الإسرائيلية في الماضي قد وجَّهت ضرباتها للمفاعلات النووية قيد الإنشاء، فإن الحرب الروسية الأوكرانية ومن بعدها حرب يونيو/حزيران على إيران (وهو ما ينطبق أيضا على الحرب الحالية)، قد رسَّختا وضع المنشآت النووية العاملة ومخازن الوقود والنفايات المشعة في مرمى النيران، وفقًا لما أشار إليه على أصغر سلطانية في دراسة نشرها مع باحثين آخرين بمعهد فيينا الدولي لدراسات الشرق الأوسط في ديسمبر/ كانون الأول 2025. ولكن ما الذي يدفع دولة لقصف المفاعلات النووية السلمية لدولة أخرى رغم التداعيات الكارثية المحتملة؟
بحسب دراسة نشرها المعهد الملكي للخدمات المتحدة البريطاني، في 25 أبريل/نيسان 2025، للباحثة داريا دولزيكوفا، المتخصصة في السياسة النووية، فإن هذه الاستراتيجية استُخدِمَت في الردع بوصفها "بديلًا" أقل كارثية من إلقاء القنابل النووية. ومن ثمَّ تشن بعض الدول هجماتها عن عمد لإحداث تلوث إشعاعي، يعمل على حظر المنطقة جغرافيًا وجعلها غير صالحة للحياة، وذلك كخيار نهائي يهدف إلى إعاقة قدرة الخصم على استكمال المعركة، وتعطيل وصول الإمدادات والدعم اللوجيستي، في شكل من أشكال الحصار البيئي الذي قد تستمر آثاره لمئات من السنين.
وأفادت دولزيكوفا إلى وجود منطق عملياتي وراء استخدام بعض الدول للقوة العسكرية في استهداف المنشآت النووية، والذي يندرج ضمن 5 مبررات: مكافحة الانتشار النووي (منع دولة أخرى من الوصول للسلاح النووي)، واستهداف البنية التحتية لمنشآت توليد الكهرباء، وفرض حظر جغرافي على منطقة بعينها، والتصعيد العسكري، والاستحواذ على المنشأة لإحراز تقدم عسكري. وفي هذا الإطار، تستهدف الضربات دورة الوقود النووي، بما في ذلك إمدادات المياه والكهرباء، انطلاقًا من اعتقاد خاطىء بأن هذه الهجمات لا تُشكِّل خطرًا على السلامة النووية.
"الدول التي لا تمتلك أسلحة نووية حين تُجبَر على مواجهة خصم نووي، قد تستخدم منشآته النووية لتوجيه ضربة موجعة لتعويض اختلال التوازن في القدرات بين الجانبين"
اللافت للنظر هو ما أشارت إليه دراسات من أن الدول التي لا تمتلك أسلحة نووية حين تُجبَر على مواجهة خصم نووي، قد تستخدم تلك الاستراتيجية لتوجيه ضربة موجعة ذات بعد نووي لتعويض اختلال التوازن في القدرات بين الجانبين، وذلك دون الحاجة لتطوير رؤوس نووية. ما يعني أن الصراعات الحديثة تتجه إلى ما يشبه معادلة الردع النووي غير المباشر، التي تلعب فيها مفاعلات توليد الكهرباء دورًا جوهريًا في موازنة القوى، وهي على الأغلب معادلة قائمة في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
بهذه الطريقة أصبحت الهجمات على المواقع النووية أداة في الاستراتيجيات العسكرية الحديثة. ويقول عن ذلك الدبلوماسي الأمريكي تشيستر كوبر، في مقال نشر بمجلة "فورين بوليسي" في سبعينيات القرن الماضي، إن القنابل التقليدية إذا استخدمت ضد هدف نووي، تكتسب بعض الخصائص الإشعاعية للقنبلة النووية، ما يعني أن وجود المفاعلات النووية في أي دولة قد يؤدي إلى تحويل ترسانة خصمها من الأسلحة التقليدية إلى أسلحة ذات تأثير نووي. دفع هذا الأمر هانز بليكس، المدير العام السابق وكالة الطاقة الذرية، للقول "إن أي عمل عدائي يستهدف منشآت قد تطلق مواد مشعة، يجب أن يدان كما لو كان هجومًا نوويًا".
"لا يمكنك رؤية الإشعاع أو لمسه أو شمه، لقد كان العالم من حولنا مألوفًا وغيرَ مألوف. الشمس مشرقة، لا دخان، لا غاز، ولا أحد يطلق الرصاص. أي حرب هذه التي جعلت منا أسرى؟"
بواسطة سفيتلانا أليكسييفيتش - في وصف كارثة تشرنبول
يقول رامبرغ في كتابه إننا نعيش في زمن يتحكم فيه اتجاه الرياح ومزاج القادة العسكريين في حياة الآلاف من المدنيين، الذين يُمكن أن يصبحوا دون سابق إنذار رهائن للإشعاع النووي. وتختلف المواد المنبعثة من محطات الطاقة النووية، حسب طبيعة المنشأة والوظيفة التي تؤديها، وكمية المواد الإشعاعية المنبعثة منها، والظروف الجوية المحيطة مثل اتجاه الرياح وهطول الأمطار، كما تختلف التأثيرات وفقا للغطاء البيئي المحيط بالموقع، فمناطق الغابات الخضراء لا تشبه المناطق الساحلية والصحراوية.
ولفهم نطاق هذه التأثيرات، علينا أن نفرق بين أنواع المنشآت النووية. فالمواد المنبعثة عن استهداف محطات تخصيب اليورانيوم، ومنشآت إنتاج المراحل الأولى من الوقود النووي، تتمحور مخاطرها حول التسبُّب في تلوث كيميائي في المقام الأول، وتُعتبَر عواقبها محدودة مقارنة بباقي منشآت الطاقة النووية، مثل المفاعلات ومصانع إعادة المعالجة ومخازن النفايات المشعة التي تهدد بخطر التسرب الإشعاعي.
ولهذا تعد احتمالية وقوع أي خطأ اثناء استهداف محيط المنشأة النووية، بمثابة كارثة خارجة عن السيطرة قد يتسع نطاقها بما يتجاوز حدود الدول المستهدفة. هذا بخلاف الآثار النفسية المزمنة والممتدة التي يعاني منها الناجون، ما يجعل التسرب الإشعاعي أحد أقسى وجوه الحرب النفسية.
قد تستخدم التهديدات وشائعات الهجوم على المواقع النووية بغرض التأثير على معنويات للشعوب والتأثير في قرارات القادة. وفي بعض الأحيان، قد تهدد الدول باستهداف المنشآت النووية كحلقة وسطى بين الهجوم بالأسلحة التقليدية وشن ضربات نووية. ورغم أن الآثار الناجمة عن الحوادث النووية الكبيرة مثل تشرنوبل لا تُقارن بموجات الانفجار التي تتبع إلقاء القنابل النووية، كما في حالة قصف هيروشيما وناغازاكي، فإن آثارها الصحية والنفسية تظل كارثية ومدمرة.
"نعيش في زمن يتحكم فيه اتجاه الرياح ومزاج القادة العسكريين في حياة الآلاف من المدنيين، الذين يُمكن أن يصبحوا دون سابق إنذار رهائن للإشعاع النووي"
وكشفت دراسة نشرتها الأكاديمية الوطنية للعلوم والطب والهندسة في الولايات المتحدة عن أبرز الأعراض النفسية التي عانى منها الناجون من حوادث نووية مدمرة، وعلى رأسها قصف هيروشيما وناغازاكي في الحرب العالمية الثانية، وحادثة تشرنوبل، وحادثة محطة "ثري مايل أيلاند" بولاية بنسلفانيا الأمريكية في السبعينيات. وجاءت النتائج مثيرة للقلق، فقد عانى الناجون من إرث جماعي متمثل في خوف مستعصي من التعرض لآثار الإشعاع، ناهيك عن اضطرابات ما بعد الصدمة، وزيادة معدلات القلق والتوتر والاكتئاب السريري، التي استمرت لسنوات طويلة حتى بعد انقضاء أسباب مخاوفهم من التعرض لتسرُّب إشعاعي.
وفي دراسة أخرى نشرها قسم علم النفس بجامعة ألبرتا في كندا، في أغسطس/ آب 2021، جرت مقارنة الآثار التي تعرض لها الناجون من حادثة تشرنوبل عام 1986، وحادثة فوكوشيما النووية في اليابان عام 2011، والتي كشفت عن أن مستويات اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب والقلق ارتفعت لدى العاملين في جهود مكافحة التلوث الإشعاعي، وساكني محيط المفاعل النووي، والمُهجَّرين ضمن جهود الإخلاء.
كل هذه التداعيات المادية والنفسية، حثَّت الباحثة داريا دولزيكوفكا على دعوة المجتمع الدولي لاتخاذ مواقف حاسمة تجاه الهجمات العسكرية التي تستهدف المنشآت النووية، حتى لا تتحول تشرنوبل من حادثة عابرة إلى نمط عسكري في النزاعات المستقبلية. وشدَّدت داريا في ورقتها البحثية على عدم التطبيع مع هذا المنطق الذي يجعل من المواقع النووية أهدافًا عسكرية مشروعة، بما ينتهك القوانين الدولية ويُهدِّد مستويات السلامة النووية وحياة المدنيين، كما طالبت الدول التي تمتلك محطات طاقة نووية باتباع أعلى معايير السلامة، ونشر قوات دفاع جوي متعدد الطبقات لحماية تلك المواقع.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة