آخر الأخبار

حكومة سلام: اختلال في الأولويات وعجز عن إدارة التصعيد

شارك
في لحظة سياسية وأمنية حساسة، حيث تواصل إسرائيل اعتداءاتها على الأراضي اللبنانية وتفرض وقائع متدرجة على الأرض، لا يظهر للحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام أي دور فعلي يواكب هذا التصعيد، ولا أي تحرك سياسي جدي أو محاولة لفتح مسار دبلوماسي يفرض حضور لبنان في مجريات الأحداث، فيما يتقدّم المشهد الميداني بوتيرة أسرع من أي موقف رسمي.

المفارقة لا تقف عند حدود الأداء، بل تبدأ من الخلفية نفسها، إذ إن سلام، الذي شغل منصب قاضٍ ثم رئيساً في محكمة العدل الدولية، يعرف كيف تتحرك الدول قانونياً عند تعرضها لاعتداء، ويدرك كيف تتحول هذه المسارات إلى أدوات ضغط سياسي ودبلوماسي، إلا أن هذه الخبرة لا تنعكس في أي خطوة عملية، لا عبر مسار قانوني واضح ولا عبر تحرك دبلوماسي فاعل، ما يكشف فجوة بين ما خبره في عمله السابق وما يمارسه فعلياً في موقعه الحكومي.

في المقابل، يصرّ رئيس الحكومة على حصر خطابه السياسي بملف واحد، فيقدّم حصر السلاح كأولوية مطلقة ويتعامل معه كأنه المدخل الوحيد لكل الحلول، في وقت تتداخل فيه الأزمات على مستويات متعددة، من استمرار الاعتداءات الإسرائيلية إلى الانهيار الاقتصادي وتداعياته، من دون أن يوازي حضورها في المقاربة الحكومية حجمها الفعلي، ما يحوّل هذا الخيار من ترتيب للأولويات إلى تجاهل لبنية الأزمة وتعقيداتها.

في هذا السياق، لا يستخدم نواف سلام علاقات لبنان ولا موقعه الحكومي لفتح أي مسار ضغط يوازي ما يتعرض له لبنان، فيترك هذا الملف يسير من دون تدخل فعلي، فيما يحصر حضوره السياسي بخطاب يكرّره في كل مناسبة حول حصرية السلاح ويضعه في واجهة مواقفه، في وقت يسقط فيه ضحايا على الأراضي اللبنانية من دون أن يقابل ذلك موقف سياسي واضح أو تحرك يوازي خطورة ما يحصل، ما يجعل هذا الخطاب أقرب إلى تثبيت موقعه في الخارج وتأكيد التزامه بخيارات محددة، منه إلى التعبير عن أولويات داخلية تفرضها الوقائع على الأرض.

داخلياً، لا تقتصر الأزمة على ضعف الأداء، بل تمتد إلى انقسام سياسي واضح ينعكس مباشرة على عمل الحكومة، إذ لم تنجح حكومة نواف سلام منذ تشكيلها في بناء حد أدنى من التوافق حول أولويات المرحلة، بل كرّست هذا الانقسام من خلال تمسّكها بمقاربة دفعت سريعاً نحو تجاذبات على ملفات أساسية، في مقدّمها ملف السلاح، ما لا يضعف فقط قدرتها على اتخاذ القرار، بل يضعها في موقع طرف داخل النزاع بدل أن تكون الجهة القادرة على إدارته.

هذا الواقع يرتبط أيضاً بالمسار الذي أوصل سلام إلى رئاسة الحكومة، إذ لم يأتِ وصوله نتيجة تسوية داخلية صلبة أو توافق سياسي واضح، بل فرضت توازنات وضغوط خارجية وداخلية اسمه على رأس الحكومة، وهذا النوع من الوصول يضعف موقع أي رئيس منذ البداية لأن من شأنه بطبيعة الحال أن يقيّده بهوامش حركة ضيقة ويجعله أكثر ميلاً إلى تجنّب المواجهة بدل فرض توجهات واضحة.

هذا المسار لا يفسّر الأداء بقدر ما يضعه تحت الاختبار، إذ يظهر في حالة الرئيس سلام نمط إدارة يكتفي بالعناوين العامة من دون ترجمتها إلى خطوات فعلية، في وقت تتطلب فيه المرحلة قرارات واضحة وفتح ملفات أساسية وتثبيت حضور الدولة في الداخل والخارج من خلال فعل سياسي ملموس.

أما في ما يخص ملف النزوح، فتظهر الفجوة بشكل أكثر وضوحاً، إذ لا يرقى أداء الحكومة إلى مستوى التحدي ولا إلى مستوى المسؤولية التي تفرضها الوقائع، فيما يتعامل خطاب سلام مع هذا الملف بطريقة ترفع عنه عبء المسؤولية السياسية، فيقدّم ما يجري كأنه نتيجة ظرف قائم لا كملف يقع على عاتق حكومته إدارته وتحمل تبعاته، ما يحوّل هذا التعاطي من إدارة للأزمة إلى تنصّل منها.

من هنا يقتصر أداء الحكومة على خطاب سياسي أحادي وإدارة حذرة تتجنب المواجهة، فيما يفرض موقعها تحركاً متزامناً على أكثر من مستوى، يبدأ بمسار دبلوماسي يثبت حضور لبنان في الخارج، ويتكامل مع تحرك قانوني يضع الاعتداءات الإسرائيلية في موقع المساءلة، ولا ينفصل عن إدارة داخلية تتعامل مع الملفات اليومية من دون انتقائية.

في المحصلة، لا ترتبط المشكلة بغياب الأدوات بقدر ما ترتبط بطريقة استخدامها، إذ تتوفر لدى الرئيس نواف سلام خبرة وعلاقات تتيح له التحرك، لكنه لا يفعّلها في الاتجاه الذي تفرضه الوقائع، ما يكرّس فجوة بين الإمكانات المتاحة والأداء القائم، تنعكس مباشرة على موقع لبنان وقدرته على التأثير.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا