تتجاوز غارة عين سعادة حدود الميدان العسكري المباشر، لتستقر في عمق الحسابات السياسية اللبنانية الأكثر حساسية. فالمكان المستهدف، جغرافيًا وسياسيًا، لا يقع في بيئة " حزب الله " المباشرة، بل في منطقة ذات رمزية سياسية واجتماعية مختلفة، وهو ما ينقل الحدث من إطاره العسكري الصرف إلى دائرة الحسابات الوطنية المعقدة، ويفرض أسئلة قلقة حول النيات الكامنة خلف هذا التوسّع الجغرافي.
وتزداد خطورة الواقعة بالنظر إلى هوية
الشهداء ، وبينهم رئيس مركز "
القوات اللبنانية " في يحشوش بيار معوض، الذي قضى مع زوجته نتيجة الغارة التي استهدفت، وفق ما سُرّب، شقة "غير مسكونة" في طابق آخر. لكن خطورة الضربة تتعاظم مع حالة التوتر التي أحدثتها، وهي حالة تبدو مفهومة، حيث يحمل مثل هذا النوع من الحوادث قابلية عالية لإنتاج احتقان داخلي يتجاوز مكان الاستهداف نفسه، ليصل إلى التوازنات اللبنانية الدقيقة في لحظة حرجة.
وقبل أن تجفّ الدماء وتتضح الملابسات، جاء تعليق المتحدث باسم الجيش
الإسرائيلي أفيخاي أدرعي ليؤكد البعد الأخطر في المسألة. فبدلًا من الاكتفاء بالرواية العسكرية المعتادة، سارع إلى القول إن الهدف في شرق
بيروت كان "إرهابيًا"، وإن "حزب الله" يواصل التموضع داخل المدنيين ويستخدمهم دروعًا بشرية. وهنا، لا يعود السؤال متعلقًا فقط بدقة الإصابة العسكرية، بل برغبة تل أبيب في استدراج
لبنان إلى فتنة داخلية، عبر إعادة توجيه النقمة والغضب نحو الداخل اللبناني نفسه.
من الاستهداف العسكري إلى الاستثمار السياسي
هل نحن فقط أمام غارة أخطأت بيئتها، أم أمام محاولة إسرائيلية واعية لتوسيع الشقاق الداخلي وإشعال فتيل فتنة يحتاج إليها العدو بقدر حاجته إلى النار الميدانية؟ هذا السؤال يبدو أكثر من مشروع اليوم، في ضوء ضربة عين سعادة التي لم تتضح ملابساتها بعد. فهي لا تُدرج في خانة الضربات المعتادة على الجنوب والضاحية، ولا حتى تلك التي تتكرر في بعض أحياء بيروت، ولو أنّ
إسرائيل تحاول من خلال "تنويع" مناطق الاستهداف إشعار كل لبناني بأنه مهدد في عقر داره، وأن لا شيء اسمه منطقة محمية أو محصنة، وأنها قادرة على ملاحقة "الهدف" أينما كان.
هكذا، قد يُقال في الحساب العسكري الإسرائيلي إن الغارة جاءت في سياق ملاحقة هدف محدد. لكن في الحساب السياسي تبدو الصورة أوسع بكثير. فحين يطال القصف منطقة ذات حساسية حزبية ومجتمعية مختلفة، ويسقط فيه مسؤول حزبي من "القوات اللبنانية"، فإن النتيجة لا تبقى محصورة في السؤال عن "الهدف الفعلي"، وتتحول الضربة سريعًا إلى أداة لإعادة توجيه النقمة داخل المجتمع اللبناني نفسه.
من هنا، يمكن فهم ضربة عين سعادة بوصفها جزءًا من استراتيجية تتجاوز التدمير الميداني. فبدلًا من أن تتوحد البوصلة ضد المعتدي، تبرز أصوات تتساءل عن مبررات وجود أهداف عسكرية وسط المدنيين في مناطق بعيدة. وقد لا تُلام هذه الأصوات، باعتبار أن أصحابها يشعرون أنهم يُدفعون إلى حرب لا يريدونها، لكن الثابت أنّ هذا "الالتباس" هو بالضبط ما تراهن عليه إسرائيل لتوسيع الشقوق السياسية والطائفية، وتهديد ما تبقى من تماسك في الجبهة الداخلية اللبنانية.
خبث أدرعي والرسالة المراد إيصالها
لو كان الهدف الإسرائيلي محصورًا بتبرير العملية عسكريًا، لكان يكفي القول إن الضربة استهدفت عنصرًا أو موقعًا أو هدفًا أمنيًا، كما درجت العادة. لكن أدرعي اختار في تعليقه أن يحمّل "حزب الله" مسؤولية ما جرى، عبر اتهامه بالتموضع بين المدنيين واستخدامهم دروعًا بشرية، وتحدث عن التدقيق في تقارير سقوط أشخاص "من غير المتورطين"، علمًا أنّ مثل هذا الحرص لم يظهر بعد مجازر كثيرة ارتكبتها إسرائيل في مناطق مختلفة.
باختصار، يندرج كلام أدرعي في سياق معركة سردية متعمّدة. فحديثه عن "الدروع البشرية" ليس توصيفًا عسكريًا بريئًا، فهو ينطوي على محاولة لتأليب المكونات اللبنانية ضد بعضها البعض. فأدرعي هنا لا يخاطب جمهوره، بل يوجّه رسائل مسمومة إلى الداخل اللبناني، داعيًا الناس ضمنًا إلى تحميل "حزب الله" المسؤولية الأولى عن مأساتهم، واستخدام دماء ضحايا من "القوات اللبنانية" لتكريس رواية تجعل من الشريك في الوطن "السبب" المباشر لمعاناتهم.
هكذا، يتحول الغضب من العدو إلى مادة سجال داخلي. وهنا تحديدًا تبدو الرسالة
الإسرائيلية شديدة الخبث: المطلوب تأليب فئات لبنانية على فئات أخرى، ودفع الناس إلى النظر إلى الحرب لا بوصفها عدوانًا إسرائيليًا فحسب، بل بوصفها نتيجة "داخلية" أيضًا. وهذا بالذات ما يفرض على الأصوات الواعية تصويب البوصلة، ومنع إسرائيل من تحقيق أجندتها الفتنوية التي سعت إليها في أكثر من محطة، قبل أن تبلغ ذروتها في غارة عين سعادة.
في المحصلة، لا يمكن اختزال غارة عين سعادة بأنها "حادث جانبي" في سياق حرب أكبر. ما جرى أعمق من ذلك. فحين تضرب إسرائيل منطقة حساسة في شرق بيروت، ويسقط في الغارة مسؤول من "القوات اللبنانية"، ثم يأتي الخطاب الإسرائيلي في اليوم التالي ليوجّه الاتهام نحو "حزب الله" ويحمّله المسؤولية المعنوية والسياسية، فإننا نكون أمام محاولة واضحة لنقل الحرب من حدودها العسكرية إلى حقل الفتنة الداخلية.
هذا هو الخطر الحقيقي الذي كشفته حادثة عين سعادة. وهنا يصبح التحدي اللبناني الفعلي ليس فقط في احتواء آثار الضربة، بل في منع إسرائيل من تحويل الدم اللبناني إلى مادة انقسام وفتنة داخلية.