آخر الأخبار

سياسة كسر العمق.. ماذا تريد إسرائيل من ضرب خلدة وبيروت؟

شارك
صحيح أنّها ليست المرّة الأولى التي تُستهدَف فيها العاصمة بيروت منذ بدء هذه الجولة من الحرب الإسرائيلية على لبنان ، حين قرّرت تل أبيب أن تتحرّر من كلّ القيود وتتجاوز كل الخطوط الحمراء، لكنّ الاستهداف المزدوج من خلدة على المدخل الجنوبي لبيروت، وصولاً إلى الجناح في قلب العاصمة، بدا بمثابة إعلان صريح لانتقال النار إلى ما كان يفترض أنه عمق خلفي أو مساحة أقلّ انكشافًا.

بهذا المعنى، لا تبدو الضربات الأخيرة مجرّد حلقة إضافية من الاستهدافات الإسرائيلية، بل إشارة إلى انتقال في وظيفة النار نفسها، فالحرب التي بدأت من الجنوب، وتمدّدت إلى الضاحية، تبدو اليوم أكثر ميلًا إلى محو الفاصل بين الجبهة والداخل، بين ساحة الاشتباك وفضاء العيش اليومي. ولعلّ خطورة التصعيد الأخير لا تكمن في الحصيلة وحدها، ولا في هوية الأهداف المعلنة فقط، بل في المكان نفسه: عند المدخل الجنوبي للعاصمة، وعلى تخومها المباشرة، حيث تختلط الحركة اليومية بالممرات الحيوية.

هكذا، تصبح الضربات جزءًا من اختبار جديد تفرضه إسرائيل على لبنان لا يمكن فصله عن المسار الإسرائيلي الأوسع. فوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أعلن قبل ايام أن إسرائيل ستدمّر "كل المنازل" في القرى اللبنانية القريبة من الحدود، وأن مئات آلاف اللبنانيين لن يُسمح لهم بالعودة إلى ما دون الليطاني حتى "تأمين" شمال إسرائيل، بالتوازي مع السعي إلى توسيع المنطقة العازلة أو "المنطقة الأمنية". فهل يمكن القول إن ضربات خلدة والجناح جزء من انتقال تدريجي من الضغط على الجبهة إلى كسر العمق اللبناني نفسه؟

استهداف "عُقدة الوصل"

في الحروب التقليدية، يمكن التمييز بين الجبهة والخلف، بين منطقة الاشتباك المباشر ومساحات الإسناد أو الحياة اليومية. أما حين تُستهدف خلدة، وهي الشريان الذي يربط العاصمة بجنوبها، فإنّ الرسالة تتجاوز بعدها العسكري بطبيعة الحال. فالمكان هنا ليس مجرد نقطة على الخريطة، بل ممر يرمز إلى الحركة والربط بين الجنوب والعاصمة، واستهدافه يوحي بأن الطريق نفسه لم يعد محيّدًا، وإن الحركة نحو العاصمة أو منها باتت مشمولة بمنطق التهديد.

والأمر نفسه ينطبق على الجناح. فالدخول إلى عمق النسيج المدني المتصل بالعاصمة يهدف إلى محو الحدود الفاصلة بين مناطق المواجهة ومناطق الحياة الطبيعية، وكأنّ إسرائيل تقول صراحةً للبنانيين إنّ العاصمة ومحيطها يمكن أن يُدرجا في معادلة الضغط متى شاءت. ولعلّ هذا ما يمنح ضربات بيروت وخلدة معناها الأبعد. فإسرائيل لا تحتاج، بالضرورة، إلى احتلال الأرض كي تحقّق الهدف، وهو لا يتجاوز هنا إسقاط فكرة أنّ ثمة خطوطًا خلفية لا تزال خارج الحرب.

ومن هنا، يمكن القول إن إسرائيل لم تعد تكتفي بإدارة حرب استنزاف على " حزب الله " في الجنوب، بل تبدو كأنها تنتقل إلى إدارة الخوف على مستوى البلد كله، إذ إن تحويل المداخل والضواحي الملاصقة لبيروت إلى مسرح للعمليات يخدم استراتيجية "توسيع القلق". فالمطلوب إسرائيليًا هو إشعار المجتمع اللبناني بأن قواعد الاشتباك القديمة التي كانت تحيد العاصمة قد سقطت فعليًا، بما يجعل الحرب تستهدف، في أحد وجوهها، الإحساس العام بالاستقرار.

هل تفرض إسرائيل تسوية بالنار؟

إذا كان استهداف الجنوب يُقرأ في إطار الحرب المباشرة على "حزب الله"، فإن إدخال خلدة وبيروت في معادلة النار يوسّع الرسالة إلى الدولة والمجتمع معًا. فإسرائيل لا تضغط فقط على خصمها العسكري، بل على البيئة التي يفترض أنها تقع خارج خط النار المباشر، وعلى الدولة التي تجد نفسها أمام بلد لم تعد الجبهة فيه محصورة بحدوده الجنوبية. وبهذا المعنى، يتحول التصعيد إلى وسيلة لرفع الكلفة على لبنان كله.

هنا بالضبط تبرز وظيفة هذا النوع من الضربات في أي حساب سياسي لاحق، والأرجح أنّ هذا التوسع في الجغرافيا ليس منفصلًا عن حسابات إسرائيل التفاوضية والسياسية. فحين تعلن تل أبيب أنها تريد منطقة عازلة حتى الليطاني، وتربط عودة النازحين اللبنانيين إلى الجنوب بشروطها الأمنية، ثم تضرب خلدة والجناح، فهي لا تقول فقط إنها توسع النار، بل تقول أيضًا إنها توسع سقف الضغط الذي تريد أن تذهب به إلى أي تسوية لاحقة، أي إن التفاوض، إذا حصل، لن يكون تحت نار الجنوب فقط، بل تحت نار تطال العمق أيضًا.

ولذلك، قد لا يكون أدق توصيف لما جرى أنه "توسيع للغارات" فقط، بل "توسيع لخريطة الضغط". وبهذا المعنى، يمكن القول إنّ إسرائيل تحاول استثمار التفوق الجوي لتحقيق مكاسب "نفسية" تسبق أي مكاسب سياسية، وذلك عبر إظهار لبنان كبلد مكشوف بالكامل، لا تملك أجهزته أو قواه القدرة على حماية أمن مواطنيه في ممراتهم اليومية. كما أنّ مراكمة الوقائع التي تنتهجها تل أبيب لا تستهدف فقط تحقيق مكاسب ميدانية، بل دفع لبنان إلى التكيّف تدريجيًا مع فكرة الحرب المفتوحة والأمن الهش، بحيث يصبح التهديد جزءًا من الحياة اليومية لا استثناءً طارئًا.

في المحصلة، لا تكمن أهمية ضربتَي خلدة والجناح في عدد الضحايا أو الخسائر المادية فحسب، بل في كونهما إعلانًا صريحًا عن سقوط الفاصل بين "ساحة الحرب" و"بقية لبنان". هكذا، دخلت البلاد فعليًا مرحلة "كسر العمق"، حيث تريد إسرائيل كتابة بنود أي تسوية مقبلة على امتداد الخريطة التي تصلها طائراتها، لا على حدود الليطاني أو القرار 1701 وحدهما، مما يجعل الخريطة اللبنانية بأكملها تحت ضغط معادلة واحدة، عنوانها: لا أمان بعيداً عن الجبهة.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا