آخر الأخبار

خلل بنيوي حكم سلطة 27 تشرين والإطاحة بها أولى ثمار المواجهة

شارك
كتبت ميسم رزق في" الاخبار": في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس السياسة بما يُقال، بل بما سقط فعلياً.
وفي لبنان اليوم، ما سقط ليس فقط اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، بل المنظومة السياسية التي وُلدت منه. فمن الخطأ التعامل مع الواقع اللبناني الحالي كأنه نتاج مسار دستوري طبيعي أو تسوية داخلية مُتدرّجة. الحقيقة أكثر وضوحاً وأقل راحة: السلطة القائمة هي ترجمة مباشرة لنتائج حرب الـ66 يوماً، وللاتفاق الذي أعقبها. فذلك الاتفاق لم يكن مجرّد وقف لإطلاق النار، بل شكّل عملياً إطاراً سياسياً أعاد توزيع موازين القوى داخل لبنان. ومن خلاله، تبلورت سلسلة قرارات مترابطة: تثبيت قيادة الجيش ثم انتخاب جوزيف عون رئيساً للجمهورية، ثم تكليف نواف سلام وتشكيل حكومة بتمثيل ضعيف لحزب الله، وصولاً إلى تبنّي مسار واضح عنوانه إعادة تعريف الشرعية الأمنية والعسكرية داخل الدولة بما يتناسب مع مصلحة العدو. وهذه ليست قرارات منفصلة، بل مسار سياسي متكامل، لا يمكن فهمه إلا ضمن منطق واحد: إدارة مرحلة ما بعد إضعاف حزب الله ، تحت سقف توازنات فرضتها نتائج الحرب.
في هذا السياق، تتقاطع في الأوساط السياسية روايات متداولة، وإن لم تُعلن رسمياً، تساعد على تفسير هذا التحوّل. تتحدّث هذه الروايات عن لقاء أمني - سياسي عُقد بعيد اغتيال الشهيد السيد حسن نصرالله، نُقلت خلاله رسالة واضحة باسم ما يُعرف بـ«الخماسية العربية»، مفادها أن المرحلة الجديدة في لبنان تقوم على فرض معادلة مختلفة: تراجع دور حزب الله، إعادة تشكيل السلطة، وإطلاق مسار سياسي جديد.
سواء اعتُمدت هذه الرواية كحقيقة مكتملة أو كقراءة سياسية، فإن أهميتها لا تكمن في تفاصيلها، بل في ما تعكسه: إن السلطة الحالية لم تولد من توازن داخلي، بل من فرضية إقليمية تقول إن ميزان القوى قد حُسم. لكنّ هذه الفرضية نفسها لم تعد قائمة. اليوم، الحرب لم تنتهِ. بل على العكس، تجدّدت، وفي سياق إقليمي أوسع يتداخل فيه التصعيد الأميركي - الإسرائيلي ضد إيران ، ما أدّى إلى إعادة خلط شاملة للأوراق في الشرق الأوسط .
في مثل هذا السياق، لا تبقى المعادلات ثابتة، ولا يمكن الاستمرار في إدارة دولة على أساس توازن لم يعد موجوداً. وهنا تكمن الإشكالية الجوهرية. اتفاق 27 تشرين، الذي شكّل أساس هذه المرحلة السياسية، سقط عملياً. العدو لم يلتزِم به، ولم يعترف بآلياته، بل فرض واقعاً ميدانياً جديداً خارج أي إطار تفاوضي أو توافقي. وعندما يسقط الاتفاق الذي أنتج توازناً معيّناً، فإن هذا التوازن نفسه يصبح موضع إعادة نظر.
مع ذلك، لا تزال سلطة الوصاية قائمة وكأنّ شيئاً لم يتغيّر. تُتّخذ قرارات كبرى، في مسألة السلاح، وفي تعريف الشرعية، وفي خيارات التفاوض، على أساس ميزان قوى لم يعد قائماً، وفي مواجهة طرف يتصرّف بمنطق القوة الصرفة، لا بمنطق الاتفاقات. هذا التناقض ليس تفصيلاً سياسياً، بل خلل بنيوي في إدارة المرحلة. والاستمرار في هذا المسار لا يحافظ على الاستقرار، بل يُراكِم عناصر الانفجار. لأنه يخلق فجوة متزايدة بين واقع ميداني جديد، وقراءة سياسية قديمة، وقرارات تُبنى على هذا الانفصال بين الاثنين.
لكنّ الأخطر لا يقف عند هذا الحدّ. في الداخل، يتصاعد خطاب يدفع نحو نزع سلاح حزب الله بالقوة، واعتبار كل نشاطه العسكري خارجاً عن القانون، وكأنّ لبنان ليس في قلب مواجهة مفتوحة. هذا الطرح، بصيغته الحالية، لا يعكس قوة الدولة، بل سوء تقدير خطير لطبيعة المجتمع اللبناني. فلبنان ليس دولة يمكن فيها فرض معادلات استراتيجية بالقوة الداخلية. أي محاولة لوضع الجيش في مواجهة جزء من شعبه، تحت عنوان «فرض السيادة»، تعني عملياً المقامرة بوحدة المؤسسة العسكرية نفسها. وهذه ليست فرضية نظرية. التاريخ اللبناني مليء بالأمثلة، والنتيجة كانت دائماً واحدة: انقسام أو شلل.
وفي موازاة هذا المسار، يُطرح خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل ، التي لا تُظهِر استعداداً لأي تسوية. إسرائيل لا تتصرف كطرف يبحث عن حل، بل كطرف يعتبر نفسه منتصراً، ويفرض شروطه. لا التزام باتفاق، ولا احترام لآلية، ولا حتى اعتراف بمرجعية تفاوضية واضحة. ما يُطرح عملياً ليس «مفاوضات»، بل إطار لفرض شروط استسلام. الذهاب إلى طاولة التفاوض في ظل هذا الاختلال الفاضح في موازين القوى، ومن دون أي أوراق ضغط، لا يمكن تسويقه كخيار سيادي أو براغماتي. إنه، بكل وضوح، تفاوض من موقع العجز.
هنا تكمن المفارقة التي يجب أن تُقال بصراحة: في الوقت الذي تتجاهل فيه إسرائيل الاتفاق القائم، يُطلب من لبنان الالتزام به. وفي الوقت الذي تفرض فيه واقعاً بالقوة، يُطلب من لبنان التفاوض تحت هذا الواقع. هذه ليست سياسة، بل إدارة للأزمة بمنطق الاستسلام التدريجي.
أما وقد تبدّلت الظروف، فالقاعدة البديهية في العلاقات الدولية واضحة: ما بعد الحرب لا يُبنى على اتفاق ما قبلها، خصوصاً إذا كان هذا الاتفاق قد سقط خلال المواجهة، وسقط كل ما هو مرتبط به. وهذا يعني أن لبنان ليس مُلزَماً بالعودة إلى سقف أدنى مما كان قائماً. بل على العكس، هذه اللحظة، رغم قسوتها، تفتح نافذة لإعادة صياغة المعادلة. ليس بالضرورة من موقع القوة المطلقة، ولكن على الأقل من موقع رفض الإملاء الأُحادي.
التجربة الأقرب هي ما حصل بعد حرب تموز 2006، حيث أُعيدت صياغة قواعد الاشتباك ضمن إطار دولي أكثر وضوحاً، وضمن توازن نسبي، وليس ضمن فرض أُحادي من طرف واحد. هذا هو الحدّ الأدنى الذي يجب أن يُطرح اليوم، وليس العودة إلى اتفاق أثبت فشله، ولا الاستمرار في إسناد سلطة أثبتت تآمرها. وعليه، فإن الإصرار على التعامل مع هذه السلطة كأنها تعبير نهائي ومستقرّ عن التوازن الداخلي، يصبح بحدّ ذاته موضع تساؤل!
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا