في لحظة إقليمية تتسارع فيها الإشارات المتناقضة بين التهدئة والتصعيد، يتقدّم الحديث عن احتمال إنهاء الحرب بين
الولايات المتحدة وإيران، لكن هذا الطرح لا يبدو، وفق المعطيات المتوافرة، تعبيراً عن تحوّل حقيقي بقدر ما يعكس إعادة تموضع مدروسة، إذ إن توقيت هذا الطرح يفتح باب الشك أكثر مما يقدّم مؤشرات حاسمة، خصوصاً أن مسار المواجهة حتى الآن لم يُنتج ما يمكن تسويقه كنصر واضح لإدارة
دونالد ترامب .
مما لا شك فيه أن الضربات الجوية الأميركية ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية التحتية
الإيرانية وأعادت قدرات أساسية سنوات إلى الوراء، لكن هذه النتيجة، وفق مصادر دبلوماسية مطلعة، لم تتحول إلى مكسب سياسي حاسم. إذ إنّ إضعاف الخصم لا يعني بالضرورة فرض شروط عليه، وهذا ما يظهر في محدودية أدوات الضغط المتبقية بيد
واشنطن . لذلك، جاء التلويح باستهداف منشآت الطاقة والكهرباء كخيار تصعيدي جديد، لكنه في الوقت نفسه خيار محفوف بالمخاطر، لأن الرد
الإيراني لن يبقى محصوراً داخل الجغرافيا الإيرانية، بل قد يمتد إلى حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.
في هذا السياق، تبدو التسريبات الآتية من الإعلام
الإسرائيلي حول توجه أميركي لوقف الحرب أقرب إلى جزء من مشهد مضلل أكثر منها تعبيراً عن قرار نهائي، إذ إن القراءة الأعمق لهذه التسريبات تضعها في إطار إدارة الإيقاع وليس إنهاء المواجهة. كما أن أي وقف مفاجئ للعمليات، من دون تحقيق هدف واضح، سيعكس فشلاً سياسياً، وهو ما لا تستطيع واشنطن تحمّله في هذه المرحلة.
من هنا، تبرز مؤشرات ميدانية مختلفة توحي بأن الخيارات العسكرية لم تُستنفد بعد، وخصوصاً تلك المرتبطة بعمليات برية محدودة أو مركّبة، حيث إن الحديث عن
جزيرة خرج لا يصمد كثيراً أمام التدقيق، إذ إن السيطرة عليها لا تمنح الولايات المتحدة قيمة استراتيجية حقيقية بقدر ما تضع قواتها في موقع مكشوف ومعرّض لضغوط متعددة، سواء من الصواريخ الإيرانية أو من امتدادات جغرافية قريبة.
بالتالي، ترى المصادر أنه يصبح منطقياً النظر إلى هذا الطرح كجزء من عملية تمويه أوسع، هدفها توجيه الأنظار نحو هدف ثانوي، بينما يجري التحضير لخيارات أكثر حساسية. وفي هذا الإطار، تشير المصادر الى الجزر الواقعة في القوس المطل على مضيق "هرمز" والتي تبرز كاحتمال أكثر جدية، نظراً لما تمثّله من موقع متقدم للتحكم بالممرات الحيوية للطاقة. غير أن السيطرة على هذه الجزر لا تعني السيطرة على المشهد، لأن التحدي الحقيقي يبدأ بعد تثبيت الوجود العسكري، وليس قبله.
في موازاة ذلك، يكتسب الحديث عن الفرقة 82 المحمولة جواً دلالات إضافية، إذ لا يمكن فصل تحريك قوة بهذا الحجم عن نية تنفيذ عمليات تتجاوز الدعم التقليدي، بحيث يتقدّم احتمال استخدام هذه القوات ضمن سيناريو مزدوج يجمع بين تشتيت الانتباه عبر عمليات إنزال محدودة وتنفيذ ضربات نوعية في عمق المواقع الحساسة، بما فيها تلك المرتبطة بالبرنامج
النووي .
لكن، رغم كل هذه السيناريوهات، تبقى المعضلة الأساسية قائمة، إذ إن أي عملية برية، مهما كانت محدودة، تبقى رهينة قدرة الولايات المتحدة على تحييد منظومات الصواريخ الإيرانية، ومن دون تحقيق هذا الشرط يفقد أي تحرك من هذا النوع طابعه الحاسم ويتحوّل إلى مغامرة مكلفة قد تنقلب على أهدافها.
وعليه، لا يبدو أن ما يجري يندرج في إطار إنهاء الحرب، بل في سياق البحث عن مخرج يمكن تقديمه كإنجاز، وبين الحاجة إلى صورة نصر والخشية من الانزلاق إلى مواجهة أوسع، تتحرك واشنطن في مساحة ضيقة، حيث يتحوّل الخداع إلى جزء من الاستراتيجية نفسها، وليس مجرد تفصيل ملحق بها.