آخر الأخبار

طرد السفير الإيراني... هل فتحت الأزمة مع طهران معركة القرار داخل الدولة؟

شارك

مع قرار الحكومة اللبنانية سحب اعتماد السفير ال إيران ي المعيّن في بيروت، محمد رضا شيباني ، ومنحه مهلة للمغادرة، لم يعد بالإمكان الحديث عن "خطوات فردية" يقوم بها وزير الخارجية يوسف رجّي المحسوب على " القوات اللبنانية "، ولا عن "اجتهاد شخصي" مثلما قيل يوم رفض دعوة نظيره الإيراني عباس عراقجي لزيارة طهران قبل أشهر، واقترح عقد لقاء في "دولة محايدة"، ما أثار جدلًا واسعًا حينها، فيما حيّدت الحكومة نفسها عنه.

هذه المرة، لا يمكن مقاربة قرار سحب اعتماد السفير الإيراني بالطريقة نفسها، ولا حتى بوصفه مجرد إجراء دبلوماسي ناتج عن أزمة طارئة. فالخطوة بحد ذاتها ترفع السقف في علاقة لطالما اتسمت بالحساسية والتشابك، خصوصًا مع إعلان السفير المعيّن حديثًا "شخصًا غير مرغوب فيه"، من دون أن يكون قد صدر عنه تصريح "مسيء" مثلاً، في سابقة تصعيدية من هذا النوع، وإن بقيت مضبوطة السقف ولم ترتقِ إلى حد قطع العلاقات الثنائية بين البلدين.

لكن أهمية ما جرى لا تكمن فقط في الرسالة الموجّهة إلى طهران، بل أيضًا في ما كشفه داخل لبنان نفسه. فالأزمة لم تبقَ محصورة على خط بيروت - طهران، بل تمددت سريعًا إلى الداخل اللبناني، حيث بدا القرار أكبر من خلاف مع سفير، وأقرب إلى اختبار فعلي لمرجعية القرار السياسي داخل الدولة: من يقرر في الملفات السيادية الحساسة؟ وكيف يُتخذ القرار حين يتعلق الأمر بعلاقة بهذا الحجم من التعقيد؟

ومن هنا، قد يكون المدخل الأدق للمسألة أن لبنان لم يفتح فقط أزمة دبلوماسية مع إيران، بل فتح أيضًا نقاشًا داخليًا على معنى السيادة وحدود القرار. فحين تكون الخطوة بهذا الحجم، يصبح السؤال أقل ارتباطًا بشخص السفير، وأكثر ارتباطًا بقدرة الدولة على تثبيت قرارها، لا الاكتفاء بإطلاق رسالة قوية سرعان ما تبدأ التوازنات الداخلية بتطويقها أو التشكيك فيها.

"رسالة" تتجاوز السفير

لا شك في أن القرار اللبناني يتجاوز الاعتراض على أداء دبلوماسي أو تصريح سياسي. فهو لم يُتخذ بسبب موقف عابر أطلقه السفير مثلًا، ولا بسبب خطوة طارئة أقدمت عليها طهران، بل انطوى على احتجاج رسمي على طبيعة العلاقة نفسها بين لبنان وإيران. ومفاد هذه الرسالة أن ما كان سائدًا قبل حرب "طوفان الأقصى" لم يعد كذلك اليوم، وأن هذه العلاقة يجب أن تمر عبر المؤسسات الرسمية حصرًا، لا عبر قنوات النفوذ الموازية، سواء كانت معلنة أم مضمرة.

لكن هذه الرسالة، على حدّتها، لم تقطع "شعرة معاوية". فلبنان لم يذهب إلى قطيعة كاملة، ولم يفتح مواجهة دبلوماسية مفتوحة مع طهران، بل اختار خطوة مرتفعة النبرة ولكن محسوبة. وهذا ما يجعل القرار أقرب إلى إعادة تموضع منه إلى انقلاب كامل في طبيعة العلاقة اللبنانية - الإيرانية. لذلك، يبقى السؤال الأساسي: هل نحن أمام بداية مسار جديد، أم أمام إجراء استثنائي فرضته لحظة الحرب والضغط الداخلي والخارجي؟

هنا تحديدًا تتحدد القيمة السياسية الفعلية للقرار. فهي لا تُقاس بجرأته الرمزية فقط، بل بقدرته على التحول إلى قاعدة. فما يهم ليس فقط أن الدولة رفعت السقف مرة في وجه طهران، بل ما إذا كانت بصدد تثبيت معيار جديد في التعامل معها، أم أنها اكتفت بخطوة موضعية ستبقى أسيرة ظرفها السياسي.

اعتراض " حزب الله "

في هذا السياق، لا يمكن القفز فوق موقف "حزب الله". فالحزب لم يكتفِ بالتحفظ أو بتسجيل اعتراض سياسي عادي، بل دعا صراحة إلى "التراجع الفوري" عن القرار، واعتبره "خطيئة وطنية". وهذه اللغة لا تكتفي برفض الإجراء، بل ترفض المعنى السياسي الكامن خلفه: أي أن تتصرف الدولة اللبنانية باعتبارها المرجعية الوحيدة في إدارة هذا النوع من العلاقات الحساسة، وأن تضع لإيران حدودًا رسمية مباشرة.

وهنا تبرز أهمية موقف الحزب. فالمسألة، في نظره، لا تتعلق بإجراء تقني أو بخلاف دبلوماسي محدود، بل بخطوة سياسية تمسّ موقع إيران في لبنان، وما يمثله هذا الموقع في التوازنات الداخلية والإقليمية. لذلك، فإن اعتراض "حزب الله" لا يضيء فقط على تمسكه بالعلاقة مع طهران، بل يكشف أيضًا طبيعة الاشتباك المقبل داخل لبنان: هل تُترجم الخطوة إلى قاعدة سياسية جديدة، أم تُواجَه سريعًا بجدار الاعتراض الداخلي الذي يمنع تحولها إلى مسار ثابت؟

ومن هذه الزاوية، لا يعود سؤال الأزمة محصورًا بما سيكون عليه الرد الإيراني، بل بما سيفعله الداخل اللبناني بالقرار نفسه. ذلك أن الأخطر في مثل هذه اللحظات ليس فقط التوتر الخارجي، بل انكشاف التباين الداخلي حول معنى القرار وحدوده. وإذا كان القرار قد حمل رسالة واضحة إلى طهران، فإن رد "حزب الله" حمل رسالة مضادة إلى الداخل: أن أي محاولة لإعادة رسم العلاقة مع إيران لن تمر بسهولة، ولن تبقى محصورة في الإطار الدبلوماسي.

"أزمة شراكة وقرار"

بهذا المعنى، لا تبدو الأزمة مع إيران فقط، بل أيضًا مع بنية القرار في لبنان. فالدولة التي رفعت السقف في وجه طهران تجد نفسها مطالبة الآن بإثبات أنها لم تتخذ خطوة أكبر من قدرتها على تحمّل تبعاتها. وهنا تصبح الأزمة اختبارًا مزدوجًا: اختبارًا للعلاقة مع إيران، واختبارًا لتوازنات الداخل اللبناني في آن واحد.

ولا يتعلق الأمر هنا فقط باعتراض "حزب الله"، بل أيضًا بما تردد عن تباينات داخل السلطة نفسها، وعن ارتباك في مقاربة القرار وتداعياته. وحتى لو بقي بعض ذلك في إطار التسريبات والقراءات الصحافية، فإنه يكشف حجم الالتباس الذي أحاط بالخطوة منذ لحظتها الأولى. وهذا يعني أن المسألة تجاوزت سحب اعتماد السفير إلى سؤال أوسع: هل الدولة موحدة فعلًا عندما تذهب إلى قرار سيادي بهذا الحجم؟

في هذا الإطار، تبرز المشكلة الأعمق: قيمة القرار لا تتحدد فقط بقدرته على تحدي طهران، بل أيضًا بمدى تماسك الغطاء السياسي الداخلي الذي يقف خلفه. فإذا كان قرار من هذا النوع يفتح باب الانقسام العمودي فورًا، فهذا يعني أننا أمام سلطة قادرة على إصدار القرار، لكنها لا تزال تكافح كي تمنحه معنى وطنيًا جامعًا.

السيادة بين المبدأ والانتقائية

ولا تقف دلالات الأزمة عند حدود العلاقة مع إيران، بل تفتح أيضًا جرحًا قديمًا متجددًا في الحياة السياسية اللبنانية: هل السيادة معيار ثابت يُطبَّق على كل أشكال التدخل الخارجي، أم أنها تُرفع في وجه طرف وتُخفض في وجه آخر؟

لا شكّ أنّ صدقية أي خطوة سيادية تبقى مرتبطة بقدرة الدولة على اعتماد مقياس واحد في التعامل مع الضغوط والتدخلات الخارجية، لا مقياسًا انتقائيًا تحكمه الاصطفافات واللحظة السياسية. فالسيادة لا تتجزأ. وحين تقرر الدولة أن ترفع السقف مع إيران، فإنها تضع نفسها تلقائيًا تحت اختبار أوسع: هل ستتعامل بالصرامة نفسها مع سواها من السفراء والموفدين والعواصم التي تضغط وتتدخل وتوجّه، أم أن الأمر سيبقى محصورًا بهذا الملف وحده؟

في المحصلة، لا يجوز التقليل من حجم ما جرى، كما لا يجوز المبالغة في اعتباره لحظة حسم نهائي. فلبنان لم يعلن قطيعة مع إيران، لكنه بالتأكيد لم يتصرف هذه المرة كأن شيئًا لم يكن. وبين هذين الحدين، تكمن القيمة الفعلية للحدث: إنها لحظة سياسية كبيرة، لكن معناها النهائي لن يُحسم بالقرار نفسه، بل بما إذا كانت الدولة ستنجح في تحويله من إجراء مرتفع النبرة إلى نهج أوضح وأكثر تماسكًا.

لقد اختبرت الدولة نفسها في هذه الأزمة بقدر ما اختبرت علاقتها بطهران، وربما أكثر. ولذلك، فإن السؤال الأكثر دقة اليوم ليس فقط ما إذا كان لبنان قد فتح اشتباكًا سياسيًا مع إيران، بل ما إذا كانت هذه الأزمة كشفت، مرة جديدة، أن معركة السيادة في لبنان لا تُخاض فقط مع الخارج، بل أيضًا داخل الدولة نفسها، وفي كيفية اتخاذ القرار وحمايته ومنحه المعنى الذي يتجاوز لحظة الانفعال إلى مستوى السياسة الثابتة.

النشرة المصدر: النشرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا